حكم و«فار» وتسلل
انتهت المباراة، مصر خسرت، والأرجنتين فازت، وميسي ابتسم تلك الابتسامة التي تعودنا عليها، ابتسامة «ابن الفيفا المدلل»، الكل يتحدث عن المهزلة الكروية، عن القانون الذي حضر للمباراة، وجلس في المدرجات، ثم اكتشف أن لديه واسطة فغادر في الدقيقة 70. القصة باختصار: حكم و«فار» وتسلل وضربة جزاء، وهدف أُلغي، وهدف احتُسب، وتصريح وتوضيح، وتوضيح للتوضيح، ثم قال «الفيفا» كلمته الأخيرة: «الكرة الآن في ملعب الإعلانات».
القانون يقول: تسلل، والواسطة تقول: «طب معلش، ده ميسي»، القانون يقول: خطأ، والواسطة ترد: «يا عم ده نهائي، وعايزين ماتش حلو للرعاة»، وفي النهاية يكسب صاحب الواسطة. المصريون بطبعهم «دمهم خفيف»، وحين يغضبون يتحول غضبهم إلى نكتة. ومنذ يوم المباراة ووسائل التواصل تتهكم: «(الفيفا) ربت ميسي على إيدها»، و«ميسي لو طلب الكاس هياخده»، و«حتى الكورة بتاعت الماتش كان عليها إعلان ميسي». التندر وصل إلى مرحلة أن أحدهم كتب: «تخيلوا لو مصر هي اللي عندها ميسي، كان زمان الحكم حسبلنا ضربتين جزاء والهدف اللي دخل فينا اتحسب تسلل».
هي نكتة لكنها نكتة «موجوعة»، لأننا تعبنا من فكرة «الفريق المفضل» و«الابن المدلل» و«الموظف المميز»، تعبنا من إحساس أن هناك لاعبين فوق القانون، ومن دول فوق القانون، وشركات فوق القانون، وواسطة فوق القانون.
في الماضي كنا نتفرج للمتعة «عشان هدف في الدقيقة 90 يخليك تجري في الشارع، عشان حارس يطير يمسك كورة مستحيلة فتقول: يا سلام». اليوم نتفرج لنعرف من الراعي الرسمي للحذاء، ولمشروب الطاقة الذي يحولك إلى ميسي آخر، اللعبة تحولت من 22 لاعباً يمتعونا بكرة إلى 22 إعلاناً هدفها جيوبنا، والنتيجة محسومة قبل المباراة في غرف مغلقة، لذلك فقدت الكرة لذتها، وفقدت مصداقيتها في لحظات الحسم. أصبحت مسرحية هزلية، وفيلماً لابد أن ينتصر فيه البطل في النهاية بأي ثمن، والبطل هذه المرة «البرغوث ميسي». أخيراً لم ألتزم بالكتابة بالعربية الفصحى في هذه المقالة، نظراً إلى الضرورة الكروية، وحيث يمكن للكاتب التجاوز، كما يحق للشاعر و«الفيفا» والحكم وميسي ما لا يحق لغيره.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.