«الدور جاي عليكم»

محامي وكاتب

د. يوسف الشريف

حين يُستفرد بإنسان، يطمئن الباقون.

ليس لأنهم يؤيدون ما يحدث، بل لأنهم يقنعون أنفسهم بأنهم ليسوا المقصودين. يراقبون المشهد من بعيد، ويقول كل واحد في داخله: «الحمد لله أنها لم تكن أنا».

وفي تلك اللحظة بالذات.. يبدأ الخطر الحقيقي.

فالظلم لا يبحث عن شخص بعينه، بل يختبر ردّ فعل من حوله. فإن وجدهم متفرقين، مطمئنين إلى أن الدور لن يصل إليهم، أدرك أن الطريق أصبح مفتوحاً، وأن الضحية التالية لن تكون الأخيرة.

ولهذا فإن أخطر ما يصيب المجتمعات، أو المؤسسات، أو حتى الأسر، ليس وجود من يظلم، فالظلم قديم قدم الإنسان، وإنما أن يقتنع الناس أن الظلم الذي أصاب غيرهم لا يعنيهم.

عندها لا يعود السؤال: من التالي؟

بل: متى يأتي الدور؟

ولعل هذا ما يجعلني أتوقف طويلاً أمام المواقف التي يتخلى فيها الناس عن أقرب من كانوا إليهم. ليس لأنهم أصبحوا أشراراً فجأة، بل لأنهم صدقوا أن النجاة تكون بالابتعاد، وأن الصمت يمنحهم مهلة أطول.

لكن المهلة ليست نجاة.

إنها مجرد تأجيل.

ولهذا بقي المثل العربي حياً عبر القرون، لا لأنه يحكي قصة، بل لأنه يكشف «أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض».

لم يكن الاعتراف بأن النهاية جاءت يوم الافتراس، بل بأن البداية كانت يوم الصمت.

فالإنسان لا يخسر حين يصبح هو الضحية فقط، وإنما قد يخسر منذ اللحظة التي يقتنع فيها بأن مصيبة غيره لا شأن له بها.

ولذلك فإن أعظم ما يحمي المجتمعات ليس كثرة القوانين، ولا شدة العقوبات، بل وجود أناس يدركون أن العدالة لا تتجزأ، وأن الظلم إذا وجد طريقه إلى واحد اليوم، فلن يسأل غداً عن اسمه قبل أن يطرق بابه.

لهذا...

إذا رأيت أحداً يقول: «لا شأن لي».. فاعلم أن الدور قد بدأ بالفعل.

وإذا سمعت من يطمئن نفسه بأن الخطر توقف عند غيره، فقل له بهدوء:

«الدور.. جاي عليكم».

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

 

تويتر