من أعطاك مفتاح بيتي؟

*إعلامي

عيسى عبدالله الزرعوني*

ليس المفتاح المعلّق عند الباب هو الأخطر، بل المفتاح غير المرئي، الذي يعلّقه بعض المديرين في رقبة الموظف: الراتب، التقييم، تجديد العقد، الترقية.

بهذا المفتاح يدخلون بيوت الناس من شاشة الهاتف، بلا استئذان، كلمة واحدة تكفي: «مستعجل».

عاد الموظف إلى بيته، لم يعد إلى فرع آخر من المكتب.. جلس مع عائلته في وقت لا تملكه الشركة. ثم تصل الطلبات: ملف بسيط، رد ضروري، اتصال الآن.

وفي لحظة، يصير البيت مكتباً، والموظف تحت الطلب، والطفل الذي انتظر حكاية قبل النوم يسمع الوعد القديم: «خمس دقائق وأرجع».

ثم ماذا يحدث لذلك «المستعجل»؟

غالباً لا يحدث شيء، الملف لا يُفتح إلا بعد أيام، والنار التي أحرقت ليل الموظف تتحول صباحاً إلى رماد في بريد المدير.

لسنا ضد أن يُطلب الموظف خارج الدوام حين يكون الأمر جدياً ولا يحتمل التأجيل، فهناك أعطال، وأزمات، ومصالح ناس لا تنتظر الصباح. لكن هناك فرقاً بين طارئ حقيقي، وملف نام في بريد المدير طوال اليوم، ثم استيقظ فجأة في هاتف الموظف آخر الليل.

بعض الدول لم تترك بيوت الناس مفتوحة لرسائل المديرين. فرنسا أقرت حق قطع الاتصال، والبرتغال ألزمت صاحب العمل ألا يلاحق الموظف في وقت راحته إلا للضرورة، وأستراليا منحت الموظف حق رفض الرد خارج ساعات العمل متى كان الرفض معقولاً.

وفي الإمارات، العمل خارج الدوام ليس منطقة رمادية.. ساعات العمل محددة، والعمل الإضافي له ضوابط وأجر، فإذا أردت موظفاً بعد الدوام، فسمّها مناوبة، ووثّقها، وادفع حقها.

أما رسالة ليلية، ثم محاسبة على عدم الرد، فليست مهنية.. هذه إدارة بالخوف.

أي مهنية هذه التي لا تفرّق بين الالتزام والاستباحة؟

الموظف حين لا يرد بعد الدوام لا يهرب من العمل؛ هو يعود إلى حياته. عقد العمل لا يمنحك مفتاح البيت، والراتب لا يشتري حياة الموظف.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

 

تويتر