فلسفتان في بناء الأوطان

* باحث زائر في جامعة هارفارد

د. كمال عبدالملك*

يفصل بين عيد كندا وعيد الاستقلال الأميركي ثلاثة أيام فقط، لكنهما يختصران فلسفتين مختلفتين في بناء الأمم.

في الرابع من يوليو تحتفل الولايات المتحدة بولادة دولة انتزعت استقلالها بالحرب، أما الأول من يوليو فيحيي ذكرى ولادة كندا من اتفاق دستوري جمع أربع مقاطعات في دولة واحدة، لا من ساحة قتال ولا من انتصار عسكري.

ولهذا لم يكن غريباً أن تصبح البطولة العسكرية جزءاً من الذاكرة الأميركية، في حين أصبحت التسوية والمؤسسات جزءاً من الهوية الكندية، فطريقة الميلاد تترك بصمتها على شخصية الأمم كما تترك الطفولة أثرها في شخصية الإنسان.

آمنت الولايات المتحدة طويلاً بفكرة «بوتقة الانصهار»، حيث تذوب الهويات الوافدة لتتشكل منها هوية أميركية واحدة. أما كندا، فتبنّت فلسفة «التعددية الثقافية»؛ فشجعت الجماعات المختلفة على الاحتفاظ بلغاتها وتقاليدها، لتصبح الوحدة فيها ثمرة التنوع لا نقيضه.

غير أن السؤال الأهم هو: هل تصنع الحروب وطنية أقوى؟

التاريخ يوحي بشيء من ذلك؛ فالحروب تمنح الشعوب أبطالاً وأياماً لا تُنسى، وتخلق رواية وطنية يسهل الالتفاف حولها. لكن هذا الأثر لا يدوم وحده؛ فما يوحّد الناس بعد انتهاء المعارك ليس المدفع، بل العدالة، وقوة المؤسسات، والإحساس بأن الدولة تستحق الولاء.

أما السلام فلا يمنح الشعوب أساطير كثيرة، لكنه يمنحها فرصة لبناء الثقة بهدوء، بعيداً عن ذاكرة الدم.

ولعل أجمل ما يعبّر عن الفرق بين المزاجين الأميركي والكندي، مشهد ورد في نشرة الأخبار الأميركية عن حريق في فندق، اندفع الأميركي صارخاً: «إنها كارثة! الفندق كله يحترق!» أما الكندي فنظر إلى الدخان المتصاعد من الطابق العلوي وقال: «يبدو أن هناك قليلاً من الدخان.. أو ربما أكون مخطئاً، أليس كذلك يا زوجتي العزيزة؟ هل كان هذا حريقاً فعلاً؟».

إنها دعابة، لكنها تكشف صورتين راسختين في المخيلة الشعبية: الأميركي واثق، حاسم، يميل إلى تضخيم الحدث، والكندي هادئ، متحفظ، لا يتعجل الأحكام، بل يشك حتى في يقينه.

وبالطبع، لا تخلو الصورتان من المبالغة، فالولايات المتحدة أنجبت دعاة سلام عظاماً، وكندا قدّمت جنوداً قاتلوا ببسالة في الحربين العالميتين. غير أن الانطباعات الشعبية لا تبحث عن الدقة بقدر ما تبحث عن الفكرة التي يسهل تذكرها.

الحروب قد تُقيم حدود الدول، لكن الوطنية هي التي تحفظها؛ فهي لا تُقاس بعدد المعارك، بل بعدد الأجيال التي ورثت حب الوطن ثم سلّمته لمن بعدها.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر