من بغداد إلى كانتربري
حين نقرأ «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي (ت. 1023) و«حكايات كانتربري» لجيفري تشوسر (ت. 1400) يبدو لنا أنّنا أمام عالمين متباعدين في اللغة والدين والجغرافيا، لكنّهما يلتقيان في نقطة جوهرية: تحويل الكلام اليومي والحوار العابر إلى أدبٍ يكشف الإنسان والمجتمع معاً.
كتب التوحيدي «الإمتاع والمؤانسة» في أواخر القرن الرابع الهجري بوصفه سجلاً لليالٍ طويلة دارت في مجالس الوزير. وفي ظاهر الكتاب نجد نوادر وأسئلة ومناظرات وأخباراً وتأملات في اللغة والدين والفلسفة، لكنّ العمل في عمقه صورة حيّة للعقل العباسي في لحظة ازدهاره الفكري وقلقه الحضاري.
أمّا «حكايات كانتربري»، فتقوم على رحلة حجّ يتنافس خلالها المسافرون في رواية القصص. غير أنّ تشوسر يحوّل الطريق إلى مسرح اجتماعي واسع، تظهر فيه تناقضات إنجلترا في أواخر العصور الوسطى: فساد بعض رجال الدين، وصراع الطبقات، وتبدّل صورة المرأة، واهتزاز اليقين القديم.
ويلتقي العملان في اعتمادهما على «البنية الإطارية». فالحكايات عند تشوسر تنبثق من الرحلة الجماعية، كما تتولّد أحاديث التوحيدي من مجلس حيّ تتقاطع فيه الأصوات والآراء. وفي النصّين لا تأتي الحقيقة جاهزة أو نهائية، بل تتشكّل عبر الجدل والسخرية والاختلاف.
لكنّ الفارق الجوهري يظهر في طبيعة السرد. ففي «حكايات كانتربري» تتعدد الأصوات الشعبية والاجتماعية: الفارس، والراهب، والتاجر، والزوجة، والطاحونة. كل شخصية تتكلم بلغتها وتمثل طبقتها ونظرتها إلى العالم. أمّا التوحيدي، فعلى الرغم من كثرة الشخصيات، يبقى حضوره الفكري واضحاً خلف النص، موجّهاً للحوار ومعلّقاً عليه.
ومن الناحية البلاغية، يعتمد تشوسر على السخرية الاجتماعية والتفاصيل اليومية في رسم شخصياته وكشف تناقضاتها، حتى تبدو حكاياته أشبه بلوحة واسعة للمجتمع الإنجليزي. أما التوحيدي، فتقوم بلاغته على الجدل والالتفاف اللغوي والانتقال السريع بين الحكاية والتأمل الفلسفي، حيث تراوغ الجملة وتلمع قبل أن تستقر على معناها.
ويكتب تشوسر في زمن تحولات اجتماعية ودينية كبرى في أوروبا، بينما يكتب التوحيدي في قلب الحضارة العباسية حين بلغ الحوار بين الفلسفة والدين والمنطق أوجه. ومع ذلك، ظلّ العملان نابضين بالحياة جيلاً بعد جيل. لأنهما أدركا أن الإنسان يكشف نفسه في الحوار أكثر مما يفعل في الخطب الرسمية، وأن الحكاية ليست للتسلية وحدها، بل لفهم البشر والعالم.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.