عندما يدخل المال بين الأشقاء
في كثير من الشركات العائلية لا تبدأ الخلافات من دفاتر الحسابات، بل من الثقة.
أب يؤسس مشروعاً بعد سنوات من الكفاح، ثم يسلم الإدارة إلى أحد أبنائه، باعتباره الأكثر خبرة أو قرباً من تفاصيل العمل.
أشقاء يضعون أموالهم في شركة واحدة دون عقود تفصيلية أو ضوابط واضحة، اعتماداً على روابط الدم قبل أي شيء آخر، وسنوات طويلة تمر من دون مشكلة، حتى يأتي اليوم الذي يبدأ فيه السؤال الأصعب، أين ذهبت الأموال؟
من واقع قضايا عدة، لا تعد النزاعات بين الشركاء الغرباء هي الأكثر حساسية، بل تلك التي تقع داخل الأسرة الواحدة، فحين يختلف الأب مع ابنه، أو يتهم أحدهم شقيقه بإساءة إدارة أموال مشتركة أو الاستئثار بأرباح شركة عائلية، لا تكون الخسارة مالية فقط، وإنما تمتد إلى الروابط الأسرية نفسها.
المشكلة أن كثيراً من العائلات تخلط بين الثقة والإدارة، فالثقة قيمة أخلاقية مهمة، لكنها لا تغني عن وجود قواعد واضحة تنظم التصرف في الأموال والسلطات والصلاحيات.
ولهذا نشهد أحياناً نزاعات تبدأ بخلاف حول كشف حساب أو تحويل مالي، ثم تنتهي باتهامات بالاختلاس أو إساءة استعمال السلطة أو المطالبة بعزل مدير الشركة.
ومن هنا تبرز أهمية التشريعات المدنية الحديثة التي تؤكد أن إدارة أموال الغير، حتى لو كانوا أقرب الأقربين، ترتب مسؤوليات قانونية، وليست مجرد التزامات أخلاقية، فالشخص الذي يتولى إدارة أموال شركة أو أموال مشتركة لا يصبح مالكاً لها لمجرد أنه يديرها، بل يبقى ملزماً بالتصرف وفق حدود الصلاحيات الممنوحة له وبما يحقق مصلحة أصحاب الحقوق.
وبشكل عام كان يمكن تجنب معظم هذه النزاعات منذ البداية عبر إجراءات بسيطة، مثل توثيق الاتفاقات، وتحديد الصلاحيات، وإعداد حسابات دورية، وإطلاع جميع الشركاء على القرارات المالية المهمة، فالعقود والحوكمة ليست دليلاً على انعدام الثقة، بل وسيلة لحماية الثقة من الانهيار.
لقد أثبت الواقع العملي أن الشركات العائلية تنجح غالباً عندما تفصل بين العلاقات الأسرية والإدارة التجارية، وتتعثر عندما تعتقد أن صلة القرابة يمكن أن تحل محل الأنظمة والضوابط.
ولهذا ربما تكون أهم رسالة تحملها المنازعات العائلية التجارية اليوم هي أن الحفاظ على الأسرة لا يقل أهمية عن الحفاظ على الأرباح، وأن أفضل وسيلة لحماية الاثنين معاً هي الوضوح.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.