صناعة التراث (2)

فيصل محمد الشمري

يُعرَّف التراث البيئي بأنه الأماكن والمباني والأعمال والآثار والأشياء المنقولة والمقاطعات ذات الأهمية التراثية الحكومية أو المحلية، ويشمل التراث الطبيعي المباني والمواقع والأماكن والأشياء الخاصة بسكان المنطقة، والتراث الثقافي مثل القصص والتقاليد والأحداث الموروثة من الماضي.

وركائز العناصر الثلاثة المستخدمة لوصف التراث التاريخي هي: النسيج والقصص والثقافة، وتشكل منفردة ومجتمعة التراث التاريخي للمكان. ويتم تحديد خدمات النظام البيئي الثقافي على أنها الفوائد التي يكتسبها الناس من تفاعلهم مع المساحات البيئية المختلفة، مثل الحدائق والواحات أو الغابات والمتنزهات، والأنشطة (مثل المشي وركوب الدراجات) التي يقومون بها في هذه المساحات.

ومرجعية التراث، كونه يوفر أدلة على ماضينا وكيف تطور مجتمعنا، ويساعدنا على فحص تاريخنا وعاداتنا وتقاليدنا، بشكل يمكننا من تطوير الوعي بأنفسنا، ليساعدنا على فهم وشرح سبب كوننا ما نحن عليه اليوم. ومن نتائج إعادة إحياء التراث في الدولة اعتماد المنظمات العالمية والإقليمية المعنية بالتراث، العديد من الأماكن والأنشطة في الإمارات، جزءاً حيّاً من التراث الإنساني؛ لتكتمل دائرة الأزمنة الثلاثة (الماضي،‏‏ الحاضر،‏‏ المستقبل)، بعلاقة جدلية متناغمة في إيقاعها مع البناء الحضاري الإنساني القيمي الذي أرست أعمدته القيادة.

لقد جمع الأب المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الأزمنة الثلاثة بتسلسل عكس مكانة الثقافة والتراث في فكره النيّر، واستناداً إلى الجذر اللغوي «ورث»، فالثقافة والعادات والتقاليد تختص بالأجيال القادمة، وهي مسؤولة عن الحفاظ عليه، سواء كان التراث شفهياً أو محكياً، أو حتى تراثاً مادياً.

ومن مقولاته الخالدة العديدة في هذا الجانب: «من ليس له ماضٍ، ليس له حاضر ولا مستقبل». وقال أيضاً: «على شعبنا ألا ينسى ماضيه، وأسلافه كيف عاشوا، وعلى ماذا اعتمدوا في حياتهم، وكلما أحسّ الناس بماضيهم أكثر، وعرفوا تراثهم، أصبحوا أكثر اهتماماً ببلادهم، وأكثر استعداداً للدفاع عنها». كما وجه بالإلمام بالتراث كونه «ينير الأفكار وينير طريق الحياة»، فالتراث ذاكرة الأمة غير القابل للاندثار، و«إكسير» للبقاء وحافز الاستمرار. وكانت عبقرية الأب المؤسس القيادية جامعة لممكنات الأزمنة الثلاثة، دامجةً التراث بالعصر الحديث.

هل التراث الثقافي نظام بيئي يتطلب توافر ممكنات لاستدامته؟ إن قيم التراث والهوية الثقافية من الفئات العديدة لخدمات النظم البيئية الثقافية المعترف بها في تقييم الألفية للنظام الإيكولوجي، ومنها الخدمات الدينية (كشكل من أشكال الإلهام الروحي)، ولعل جامع الشيخ زايد شكل آخر من أشكال نقل رسالة ثقافية وحضارية، تعكس التسامح والانفتاح، وهي جوانب ثقافية مؤسسية مهمة وحيوية.

إن الوطن اليوم يعد ربما الأول عالمياً في التماسك الاجتماعي، ومنارة إشعاع حضاري ونموذجاً وقدوة في التسامح، حيث يعيش على أرضنا وبيننا أكثر من 205 جنسيات مختلفة الثقافات والعادات والتقاليد والأديان، تمارس عاداتها وتقاليدها وطقوسها بحرية تامة وأمن وأمان، واحترام وتقدير متبادلين.

إن الأنواع الثلاثة الرئيسة لمواقع السياحة التراثية: طبيعية وثقافية ومبنية، وتشمل مواقع التراث الطبيعي التضاريس والمناظر الصحراوية والواحات والمزارع والعزب، حيث تشمل سياحة التراث الثقافي حضور المهرجانات أو مكان بيع المنتجات التقليدية. وتشمل المواقع التراثية المبنية أماكن مثل المعالم الأثرية والمنازل التاريخية؛ لهذا نأمل أن يلي تسجيل «حرفة التلي» بقائمة «اليونسكو» للتراث الثقافي غير المادي، مبادرات مؤسسية توثق تراثنا و«تحوكم» استثماره سياحياً وتعليمياً وتنقله لآفاق مستدامة، وتحافظ عليه ليكون منقولاً بيد أبنائه، وليبقى وسم «الإمارات» صفة للتراث الوطني وبيد أبنائه، لتتحول لصناعة اقتصادية وتعزز الحراك الثقافي الوطني، ولربما عودة لبرامج وأنشطة تلفزيونية شيقة شبيهة ببرنامج «مسابقات في حياة الأمس»، الذي كنا نشهد حلقاته في قنواتنا ونرى مشاركة الأب المؤسس شخصياً بالكثير من فعالياته.

مستشار إداري وتحول رقمي وخبير تميز مؤسسي معتمد 

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.  

طباعة