صناعة التراث (1)

فيصل محمد الشمري

«من ليس له ماضٍ.. ليس له حاضر»، جملة وثقت حب الأب المؤسس، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، للتراث وحرصه على ترسيخ ذلك الحب في نفوس المواطنين خصوصاً أجيال المستقبل، بالتذكير بماضي الأجداد كقاعدة أساسية لمستقبل مزهر يقوم على قواعد ثقافية واجتماعية قوية، ولم تلخص تلك المقولة رسالة سياسات وجهود الشيخ زايد، لإبراز تراث الإمارات والحفاظ عليه فحسب، بل وضعت المنهاج المستمر إلى يومنا هذا. ومما قاله الشيخ زايد: «ترك لنا الأسلاف من أجدادنا الكثير من التراث الشعبي الذي يحق لنا أن نفخر به، ونحافظ عليه ونطوره ليبقى ذخراً لهذا الوطن وللأجيال القادمة».

وتشهد مواقفه العديدة على حبه للتراث وتمسكه بالإرث العربي الأصيل، فحرصه على ارتداء الزي الوطني، يعكس إيمانه العميق بمدى ارتباط هذا الزي بالهوية الوطنية لشعب الإمارات. واستمرار مجالس القيادة في استقبال جميع المواطنين والمقيمين من مختلف الفئات والجنسيات، تراث عربي يعكس مميزات «المجلس العربي»، ولا ننسى الاهتمام الرسمي بنشر الصناعات والحرف التقليدية وإقامة المعارض الخاصة وزيارة تلك المعارض وتشجيع القائمين عليها على الاستمرار في إبراز تلك الصناعات.

وتزامناً مع احتفالاتنا بعيد الاتحاد الـ51، جاء تسجيل «حرفة التلي» بقائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي خلال الاجتماع الـ17 للجنة الدولية الحكومية للدول الأطراف في اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي بمدينة الرباط المغربية.

يأتي هذا الإنجاز ضمن جهود صون التراث للأجيال القادمة، وجاء تأكيد سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة الثقافة والفنون في دبي، على استمرارية جهود حفظ التراث المحلي وعناصره الثقافية، لافتة إلى أن تسجيل «حرفة التلي» على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، يعتبر إنجازاً يحفظ هذه الحرفة التراثية، ويضمن ديمومتها، تناغماً مع نهج دولة الإمارات في صون التراث والاحتفاء به كمصدر إلهام للأجيال القادمة يزيد من ارتباطهم بهويتهم الوطنية.

إن تعزيز حضور الثقافة الإماراتية على الساحة الدولية، يعكس التطلعات الحضارية والثقافية للدولة، كون التراث يرمز للقيم الإنسانية التي ستسهم في تقليص الهوة بين الثقافات، وتعزز الرسالة الإنسانية النبيلة، من تقارب وتسامح. ولاشك أن ملف حرفة التلي، بعنوان «التلي: مهارات التطريز التقليدية في دولة الإمارات العربية المتحدة»، أبرز أهمية وتاريخ «حرفة التلي» في الإمارات، حيث يتجاوز عدد النساء اللواتي يمارسن هذه الحرفة الـ4000 امرأة، ويُعد متحف الشندغة ممثلاً بـ«مركز تراث للحرف اليدوية التقليدية» الذراع التعليمية، من رواد جهود صون وحماية «حرفة التلي».

هل نشهد خطوات تكميلية لهذا الإنجاز الوطني؟ ووضع استراتيجية وطنية تتضمن مبادرات، منها استحداث أنشطة اقتصادية مبنية على التراث، وتحميه من عبث العابثين؟ وهل سنشهد اشتراطات تلزم بوجود أبناء وبنات الوطن على رأس مؤسسات صناعة الثقافة والتراث؟ وتمنع استيلاء البعض من جنسيات أخرى لتمثيل التراث أمام السياح والزوّار وفي المعارض؟

لقد بدأ العديد من الدراسات الاقتصادية تبين أن اقتصادات السكان الأصليين، هي مفتاح إنقاذ الطبيعة، وأن الاقتصادات التقليدية السائدة، لها أثر مدمر بيئياً، بينما حافظت الصناعات التراثية على التوازن الطبيعي لآلاف السنين. هل ستصبح الصناعات التراثية مصدر دخل، ليتم تطوير المنتجات التراثية الأصيلة على أساس الابتكار والارتباط بالسوق؟

إن «COP28»، على الأبواب، وهذا النوع من الصناعات التراثية وغيره، يستحق أن يكون من محاور الإرث الثقافي الذي سيعكس الإبداع الإماراتي المبني على تاريخ وحضارة، واستدامة.

مستشار إداري وتحول رقمي وخبير تميز مؤسسي معتمد 

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.  

طباعة