مساحة حرة

الانطلاق من ليوا

فيصل محمد الشمري

تشهد الظفرة عصراً جديداً.. طاقة جديدة، واقع لحظة عززتها إنجازات وطنية اتخذت مقراً لها منطقة الظفرة التابعة لإمارة أبوظبي (والتي عرفت سابقاً بالمنطقة الغربية)، وتتضمن ما يقع في قلب الصحراء (مثل محاضر ليوا، ومدينة زايد، وبينونة، وغياثي)، ومنها ما يُطل على الخليج العربي (مثل المرفأ، والرويس، والسلع)، إضافة إلى الجزر العديدة (مثل جزيرة دلما، وجزيرة أبوالأبيض، وجزيرة صير بني ياس التي جعل منها الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، محمية طبيعية ووجهة عالمية). وتمثل منطقة الظفرة 80% من المساحة الكلية للإمارة، كما تسهم بأكثر من 40% من إجمالي الناتج المحلي لها، وتشكل باتساعها الجزء الأكبر من مساحة الدولة.

وتعتبر من أغنى مناطق الدولة بحقول النفط والغاز، وبثروتها الزراعية والحيوانية المختلفة أيضاً، ومخزون المياه الجوفي الاستراتيجي.

ولا يمكن تجاهل الدور التجاري والسياسي لهذه المنطقة على مدى السنين، فوجود القلاع والأبراج دلالة على ما شهدته هذه الأرض من ملاحم الشجاعة ومواجهة قسوة الطبيعة التي حولها أبطال الإمارات إلى واحات وبساتين من النخيل، واستخرجوا المياه العذبة من باطنها. وثقتها التضحيات الجسام، وتغلبهم على التحديات التي واجهتهم، وكانت أرضها مقر العاصمة القديمة قبل ما يقارب الـ200 عام.

لقد حبا الله الوطن بالطاقة الكربونية منذ عقود، والطاقة الشمسية منذ سنوات قليلة (محطة شمس1 للطاقة الشمسية بالقرب من مدينة زايد، حيث شغلت المحطة في 17 مارس 2013، وهي تتألف من 258.048 ألف مرآة على مساحة 2.5 كيلومتر مربع بقدرة إنتاجية تبلغ 100 ميغاواط).

واليوم بدأنا نحصد الملايين من الكيلواط عبر إنتاج نووي نظيف يراعي أعلى المعايير الأمنية والاستخدامات السلمية، لحصد آخر ما تفتحت له قريحة الإنسان من إبداع علمي وتقني، لأمن اقتصادي وتأمين طاقة متجددة ونظيفة لغد مشرق ومستقبل مستدام، عبر هيكلية مركبة ينظمها تشريعات وضوابط وقوانين وطنية بمظلة الهيئة الاتحادية للرقابة النووية، ويليها مجالس ولجان وفرق عمل تخصصية، عززها تأسيس مؤسسة الإمارات للطاقة النووية، وتبعها تأسيس شركة نواة للطاقة عام 2016، لتتولى مسؤولية تشغيل المحطات الأربع في مفاعل براكة للطاقة النووية وصيانتها (الواقعة في منطقة الظفرة في أبوظبي).

«نواة» المشغل للبرنامج النووي الأحدث في العالم، وأول محطة للطاقة النووية في دولة الإمارات العربية المتحدة والمنطقة، ستعمل على إنتاج الطاقة النووية لتوليد كهرباء ذات انبعاثات كربونية منخفضة، وتوفير إمدادات آمنة وموثوقة ومستدامة وصديقة للبيئة، حيث ستولّد «نواة» ما يصل إلى 5600 ميغاواط من الطاقة من المحطات الأربع، بعد تشغيلها وفق أعلى معايير السلامة الدولية، وستوفر ما يعادل 25% من احتياجات دولة الإمارات من الكهرباء.

ولعل أهم ما يعكس الالتزام الوطني، بناء فريق مواطن (50% مواطنون و16% إناث)، يرسخ الإنجازات الوطنية التي وصلت إلى المريخ، وتطوير صناعة نووية راسخة تعد نموذجاً في توطين الصناعة ونقل المعرفة العلمية المتقدمة من الشركاء لتتحول إلى صناعة معرفية إماراتية، وقد نتمكن خلال سنوات قليلة من المساهمة في أن نصبح أحد قادة هذه الصناعة ومن كبار المساهمين في تطويرها أسوة بما تحقق في صناعة الألمنيوم الإماراتية، حيث نجح أبناء الوطن في «توطين» هذه الصناعة.

إن اختيار الظفرة لتكون قلب صناعة الطاقة الإماراتية كربونياً لا يعود لأي اختيار بشري، واستمرار هذا القدر بتوفيق الله ومن ثم اختيار القيادة يعود لأسباب، بعضها لجاهزية البنية التحتية وطبيعة المنطقة، واستحقاق المنطقة استمرارها قلب صناعة طاقة المستقبل شمسياً ونووياً وقريباً هيدروجينياً، لتكون قبلة كفاءات الوطن ومهد أمن الطاقة للإمارات والمنطقة، وقلبها النابض، ومهد صناعات المستقبل الإماراتية المتقدمة، لنحتفي كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بآخر برميل للنفط.. وليكون الانطلاق للمستقبل من ليوا.

مستشار تحول رقمي وتميز مؤسسي معتمد

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة