مساحة حرة

«هابي فالانتاين»

فيصل محمد الشمري

لسنا هنا لنحكي أصل أسطورة عيد الحب، ولا ما تناولته الثقافات المتعددة من نهج مركب، لتعزيز ممارسات استهلاكية رُبطت بعاطفة إنسانية نبيلة، وصنعت مصدر دخل يقدر عالمياً بالمليارات، ويتنوع بين مواد استهلاكية رمزية من هدايا أو ورود أو عطور أو حلويات، لفعاليات فردية مصممة ومخصصة للأزواج أو المرتبطين، لا شأن لها بالأصل التاريخي للمناسبة، ولا بموروث ثقافي تأثر بممارسات دخيلة أو بدع، لا تمت إلى ثقافتنا وموروثنا الديني والحضاري، شوه فيها البعض معاني الحب، ليتحول المقياس إلى الجانب المادي، بمعزل عن العاطفة النبيلة.

والتباهي بحجم باقات الورد أو قيمة الهدايا، التي وصلت في بعض المجتمعات إلى ملايين تصرف على حلويات مولد أو عيد للحب. فالقصد والمغزى وطريقة الاحتفال، هو تخليد الذكرى والمناسبة من دون تبذير، لا التحول إلى نزعة استهلاكية تكلف المليارات.

إن الصرف العشوائي في المناسبات المشابهة، والابتعاد عن المعنى الحقيقي للمناسبة، التي أصبحت مسابقة عامة، انتقلت عدواها من جيل إلى التالي، وكأنها مناسبة رسمية أو وطنية، شتت الهوية، بينما أضحى في عالمنا العربي أسر كاملة تحتاج ثمن هدية من هدايا عيد الحب لتوفير الغذاء أو الدواء.

- الصرف العشوائي في المناسبات انتقلت عدواه من جيل إلى التالي.

وللأسف، نجد البذخ والإسراف يعكس ثقافة استهلاكية صرفة، دون وعي أو اهتمام بالفئات الأقل حظاً في المجتمع.

إن الظروف الصحية الحالية المتزامنة مع جائحة كورونا، تتطلب مرونة ومراعاة وتغيير مفاهيم وأساليب التفاعل مع المناسبات عموماً، والمناسبات الخاصة على وجه التحديد. فلا أحد يرغب في أن تتحول مناسبة سعيدة إلى خطر كامن، يتضمن في فحواه عدوى أو معاناة لاحقة.

إن زرع النزعة الاستهلاكية في ثقافة وممارسات الشعوب، وتحويلها إلى صناعة تتكرر، وبشكل مستنسخ، دون ابتكار أو تطوير حقيقي، وتستمر بدر عوائد هائلة سنوياً، يدفعنا للنظر في ضرورة دراسة وتحليل الممارسات التي زرعت هذه الثقافة الاستهلاكية في مجتمعات لم يجمعها لغوياً أو تاريخياً أو حتى ثقافياً سوى ممارسات محدودة، منها هذه الفعالية التي لاتزال بعض الشعوب تستهجنها علناً، وتحتفي بها بخصوصية، لدرجة قيام بعض الدول باللجوء إلى منع بيع الورود الحمراء والشوكولاتة.

ورغم ذلك بقيت ممارسات «التهادي» في عيد الحب، تتفاوت من وردة حمراء إلى سيارة فارهة، حسب «ثمالة المحب»، أو حماقته، أو طبيعة علاقته.

ونجد البعض يسخر من المتفاعلين علناً مع هذه المناسبة، بمسميات تراوحت من «المسحور» إلى «الخروف»، بينما نجد الساخر ذاته في المنزل قد يلجأ إلى أساليب أكثر ابتكاراً، إما لإرضاء من يحب، أو اتقاء للانتقاد أو المقارنة أو التقريع. وأحياناً يسعى للحفاظ على الخصوصية، وهو الأكثر عطاء.

إن مراعاة الظروف الصحية الحالية تتطلب بحث خيارات الاحتفال وأساليبه، فلسنا ضد الاحتفال بهذه المناسبة أو غيرها، فذلك يندرج كحرية شخصية، وتشجيع الاستهلاك والطلب، وزيادة مبيعات تجار التجزئة، أمر مهم حالياً، مع ظروف الاقتصاد العالمي وتحدياته.

وقد نتجرأ ونوصي بترشيد الاستهلاك في عيد الحب، والوعي في الاحتفال، كون الوضع الاقتصادي العالمي العام يحتم دراسة وتحليل مسببات تحول المجتمعات للاستهلاك السلبي والإسراف، لدراستها والحد من آثارها، ومعالجة تبعاتها في كل طبقات المجتمعات وأطيافها.

وتصحيح المسار من ثقافة استهلاكية، تستنزف اقتصاد الدول والشعوب، إلى ثقافة اقتصادية واعية، تدرك رمزية الحب ومعانيه السامية، ولا تربطه بفاتورة مطعم أو قيمة هدية، فالمشاعر النبيلة لا تقاس أو تقدر بثمن، وخصم الرصيد الائتماني ليس السبيل لتوثيق مشاعر أو إثبات صدقيتها.

وكما تسعى المؤسسات لبرمجة مهارات وتطوير قدرات مستقبلية، فإن الحس الاقتصادي الواعي، والمسؤولية المجتمعية، تحتم تعزيز الوعي بأخطار الثقافة الاستهلاكية غير محسوبة التبعات، وغير المقدرة القيمة.

فقديماً قالوا «الفلس الأبيض لليوم الأسود». فلندخر، ولنعلّم أبناءنا أهمية الادخار، وحماية سلامتهم الصحية، وسلامة من يحبون. فالاختلاط، وعدم الالتزام بالتباعد الاجتماعي، لمجرد ممارسات دخيلة، أمر خاطئ، فالحب لن يكون يوماً في السنة، ورمزيته أقدس من وردة، تتلف بعد أيام عدة.

فالحب والعشق يستحق الاحتفال طوال العام، و«حب لأخيك ما تحبه لنفسك» قد يكون بوابة عمل مجتمعي إنساني تستحق النظر، فبدلاً من شراء هدايا قابلة للتلف، لنشترِ وروداً رقمية، تمول عمل الخير الإنساني، بأسماء من نحب، ونهديها لأوطاننا ومجتمعنا بكل مودة.

- مستشار تحول رقمي ومحاضر وخبير تميّز مؤسسي معتمد

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.

طباعة