5 دقائق

التضامن الإنساني بالدعاء لرفع الوباء

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

التضامن الإنساني العام بالتوجه إلى العلي القدير رب العالمين سبحانه وتعالى، رب الكون كلِّه؛ أن يرحم عباده الذين مسهم الضر من هذا الوباء الجارف المكتسح للقارات فتكاً بالبشر؛ وعصفاً بالاقتصاد والمصالح العامة والخاصة؛ هو توجه الضمير الحي المدرك أن له رباً يحميه ويقيه من شر هذا الوباء الذي لا كاشف له إلا هو، وإن دعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد - حفظه الله تعالى- ودعوة شيخ الأزهر الشريف، ودعوة بابا الفاتيكان، وغيرهم من أرباب الديانات والسياسات، للعالم أجمع أن يتضامنوا بالدعاء، وصدق الالتجاء إلى الرحيم الرحمن سبحانه وتعالى، يوم الخميس 21 رمضان الموافق 14 مايو؛ هي دعوة تذكيريه لجنس الإنسان بالخالق الواجد القاهر أن يرجع إليه فيكشف ما حل بالعباد من وباء كاسح متوغل في الإنسان والبلدان، ليكون هذا اليوم فاتحة خير للبشرية في التعرف لربها فترد إليه مرداً جميلاً، وتدعوه رغَباً ورَهَباً، فيسمع الدعاء، ويقبل النجوى، ويزيل الشكوى، كما أمر ربنا سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، فهو أمر لعباده بدعائه لوصفه بالربوبية، وهو الوصف الذي يصدق مع كل مربوب، وهو وصف كل كائن حي أو جماد، مسبح له أو جاحد، لأن الكل مخلوق له ومفتقر إليه جل شأنه، وقد وعد الكل بالإجابة المباشرة التي لم تتخللها واسطة، وما أحوج البشرية إلى الدعاء الاختياري في هذا الظرف خاصة؛ فإنها قد عجزت أن ترد هذا البلاء، أو تصمد في وجهه، فلم يبق معها إلا أن تقرع أبواب السماء، فلو صدقت في الالتجاء لوجدت الإجابة الكاشفة له، فهذا هو حال البشر مع خالقهم، كما وصفهم ربهم سبحانه بقوله: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ}، وكما قال سبحانه: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}، وهذا تقرير إلهي بحال الإنسان الضعيف، وعند رجوع العبد لربه في هذه الحالة فإن دعوته تكون مستجابة لا شك فيها كما قال سبحانه: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ}، أي لا أحد يفعل ذلك غيره، فما على العباد إلا أن يلجؤوا إلى ربهم فيصدقوا بالدعاء، ويحسنوا الظن بالرجاء، فهو سبحانه يجيب الداعي إذا دعاه، لاسيما نحن معاشر المسلمين الذين نصوم هذا الشهر الكريم، فإن الصائم مقبول الدعوة، صادق الرجاء، كما صح في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي لأنصرنَّك ولو بعد حين».

- «إذا تضافر الجميع بالرجوع إلى الله تعالى وإخلاص الدعاء له سبحانه؛ فإن ذلك يعجبه، وهو أدعى للقبول».

فإذا تضافر الجميع بالرجوع إلى الله تعالى، وإخلاص الدعاء له سبحانه؛ فإن ذلك يعجبه، وهو أدعى للقبول؛ لما فيه من إظهار الفقر والمسكنة لجبروته سبحانه، وذلك هو مقتضى العبودية التي يحب سبحانه أن يراها من خليقته، ولا تنازعه في كبريائه وجبروته، فإن ذلك يغضبه، وهو سبب لبطشه ومؤاخذته للمتكبرين، وإذا غضب الرب سبحانه فإن غضبه يعم الجميع، عياذاً بالله من ذلك.

وها هي البشرية قد شعرت بالضعف والافتقار، فتداعت إلى الرجوع إلى العزيز الغفار، فلن يعجزه سبحانه أن يرفع ما بهم من ضر، ويكشف ما حلَّ بهم من سوء، فإنه سبحانه هو الذي أمر به ليبتلي عباده حتى يرجعوا إليه، وهو الذي يكشفه إذا أقبلوا عليه، وهو غني عن عذابهم، كما قال سبحانه: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ}، فليصدق الجميع بهذا التوجه الإنساني إلى الرحيم الرحمن سبحانه، ويقولوا بلسان واحد:

«اللهم فارج الهم وكاشف الكرب مجيب دعوة المضطر رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت رحماني فارحمني رحمة تغنيني بها عمن سواك»، وليدعوا جميعاً بدعاء المضطر: «اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت»، ونحو ذلك من أدعية المضطرين المخبتين، بلسان الحال والمقال والأفعال، مع حسن الظن، وبالغ الرجاء، فهو سبحانه عند ظن عبده به، والله المستعان وعليه التَّكُلان.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.  

طباعة