5 دقائق

الصحة تقود العالم

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

مُهمَّةٌ تلكم التغريدة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد -حفظه الله- التي يقول فيها: «بقي العالم لسنوات يتجادل من يقود الآخر؛ هل تقود السياسة الاقتصاد أم الاقتصاد يقود السياسة؟ مَنِ العربةُ ومنِ الحصان؟ واكتشفنا في زمن (الكورونا) أن الحصان والعربة تحملهما الصحة، وتقودهما مُرغمين حيث تريد، وأن السياسة والاقتصاد تتقزَّمان أمام فيروس يجعل دهاة العالم في حيرة وخوف وتِيه».

إنها ليست تغريدة عابرة، بل هي قاعدة أساسية في علم الاجتماع والسياسة والاقتصاد، فإن العالم كله يشهد بصحتها، وينبغي للعالم بجميع مكوناته السياسية والاقتصادية والعلمية والفكرية والاجتماعية والصحية أن يتخذها مُنطلقه الأول نحو ما يريد تحقيقه في هذه الحياة من عمارة الأرض؛ لأن النظريات السابقة فشلت فشلاً ذريعاً بجائحة فيروس صغير، وعلم الناس أجمعون عدم مطابقتها للواقع، وأن نتائجها عقيمة، بل سلبية، فإن الدول التي كانت مضرب المثل في النُّظُم السياسية، والقوة العسكرية والاقتصادية والتحضُّر وغير ذلك؛ غدت أول الهالكين في هذا الفيروس الخفي الشقي، فقد وصل إلى الغرف المُحصّنة، والبروج المشيَّدة، والحاملات المدمِّرة الماخرة في لُجج البحار، فلم تغنِ عنهم شيئاً، لاسيما تلك القوى التي كانت تظن أن ما تفوَّقت به من قوة اقتصادية، وعسكرية ضاربة، ونُظم مدنية مرموقة كافية لأن تقول للدنيا: «دوري فتدور» فأراها الله تعالى ضعفها بهذا الفيروس الخطير، الذي أشاب الصغير وأفنى الكبير، وأرانا جميعاً أن نظريات البشر قاصرة مهما تطورت وأنتجت نتائج إيجابية أحياناً، فسرعان ما تحور بالبطلان أو عدم الصلاحية.

إن نظرية «الصحة هي التي تقود العالم» ينبغي أن ينطلق منها كل أحد، فتكون السياسة، والقوة العسكرية، والحضارة والتمدن والنُّظم المدنية من منطلق الصحة.. وإذا كانت الحكمة القديمة تقول: «الصحةُ تاجٌ على رؤوس الأصحاء لا يعرفها إلا المرضى» فقد عرفها اليوم الأصحاء قبل المرضى.

ولزم أن تكون الصحة هي التي يجب أن تصرف فيها كبرى الميزانيات، وأن توسع فيها الأبحاث العلمية، وتوضع لها الخطط الطموحة، وتقف بل تنتهي من أجلها كل الأسلحة الجرثومية، والصناعات الملوثة، والأبحاث الخطرة، وكل ما يفسد البيئة في الحاضر والمستقبل، وأن تكون الصحة هي محور الاقتصاد والسياسة والعمران والنظم وغير ذلك، فأي شيء يتقاطع مع الصحة العامة أو الخاصة يجب أن يقف وينتهي، شرعاً وعقلاً.

أما شرعاً، فلما تقرر عند الفقهاء والأصوليين أجمعين أن «دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح» فهذه قاعدة عامة مُطّرِدة، قال بها الجميع، فلذلك تباح المحظورات من أجل دفع مفسدة الهلاك أو حتى الحاجة الخاصة، ويرتفع التكليف عند الخوف من وقوع المفسدة، محققة أو مظنونة ظناً قوياً، ويعود الأمر إلى البراءة الأصلية.

وأما عقلاً فهذا ما شهد به العالم اليوم الذي أصبح يقلب كفه حائراً على ما أنفق في ترهات الغرور فلم تُغنِ عنه شيئاً، وكأني بقول الله جل ذكره: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} ينطبق بدلالة المطابقة على حضارة ما يسمى بالعالم المتقدم، الذي أنفق الكثير على تلك الحضارة، وإذا هي اليوم خاوية على عروشها فكأنها لم تَغْنَ بالأمس.

إن هذه التغريدة المحكمة ينبغي أن تكون أصلاً لتغيير كثير من أنماط السياسة والاقتصاد والقوة العسكرية، بل والحياتية الفردية والاجتماعية، فيعمل الكل من أجل الصحة حماية لها من الفساد، ورعاية لها من الخلل، فإذا تحققت فإن ما كان أصلاً في السابق سيعود تابعاً، وسيتحقق إن وجدت الصحة وأُمِنت الجائحة، لأنه إذا تحقق الأصل تبعه الفرع، بعكس ما إذا فسد الأصل فإن فساد الفرع من لازمه.

ها هو العالم قد أصيب بمقتل في كل شيء، ولم يستطع فعل شيء لكبح جماح هذا الفيروس، ومع ذلك لم يستفق من غفلته، ولم يَؤُب إلى ربه سبحانه الذي خلق هذا الوباء، ولا يقدر على رفعه إلا هو سبحانه، وكان الواجب على الجميع أن يفزعوا إلى القوي المتين ليكشف هذا الضر، فماذا ينتظر العالم؟ وماذا أفاده الجموح والغرور {فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ}.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة