رأي اقتصادي

    صقل مهارات الشباب لاستشراف وظائف المستقبل

    المهندس عويضة مرشد المرر

    سيحتاج الشباب في العصر الرقمي إلى مهارات فريدة لا تقتصر فوائدها على تمكينهم من التعامل مع التقنيات الذكية، بل إنها ستزودهم بالقدرة على مواكبة ما ستشهده بيئات عمل المستقبل من تغيرات دائمة.

    ونقف اليوم على أعتاب ثورة رقمية، سنمتلك عند تجاوزها مستويات غير مسبوقة من القدرة على التحكم في التقنيات، وتشير التوجهات إلى ارتفاع حتمي في معدلات انتشار هذه التقنيات على مدار الأعوام المقبلة.

    ومن المتوقع أن ترتفع معدلات الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي إلى 7.3 مليارات دولار في عام 2022، مقارنة مع ملياري دولار عام 2018.

    وبالنظر إلى الجهود العالمية المبذولة، استعداداً لمستقبل تهيمن عليه التقنيات المتطورة، تلوح في الأفق فرصة ثمينة لابد لنا من اغتنامها، وفي ضوء ذلك تسخّر دولة الإمارات شتى إمكاناتها لمواكبة هذه المتغيرات المتسارعة.

    وتمثل التقنيات المتطورة أبرز محركات المستقبل، لاسيما في مرحلة يقع العالم تحت وطأة ضغوط وتحديات جمّة، فالتقنيات تمثل الطريق نحو الاستدامة نظراً إلى ما تنطوي عليه من مستويات كفاءة عالية، وما تقدمه من آثار إيجابية عند تطبيقها. لكن هذه التقنيات في المقابل، وكحال أي شيء آخر، قد تنطوي على جوانب سلبية، فالمخاوف المحيطة بتوظيف عمليات الأتمتة في العديد من المجالات، وما قد ينجم عنها من فقدان للوظائف، لم تعد خفية على أحد، ناهيك عن تداعيات منافسة التكنولوجيا لوظائف البشر.

    ومن هنا يبرز تساؤل في غاية الأهمية، كيف لنا أن نجد حلولاً لهذا التحدي؟ فعلى الرغم من حاجتنا الماسة إلى ترسيخ دور التقنيات الحديثة في عالم سريع التطور والتغير، لابد لنا من تقديم ضمانات تكفل توفير فرص عمل لشبابنا في المستقبل.

    وللخروج من هذا المأزق الناجم عن هيمنة التكنولوجيا، لا مفر من الاستعداد للتعامل معها. لذلك أنصح بتبني التكنولوجيا في حياتنا واستخدامها لمصلحتنا، كما أن تعلم المهارات الصحيحة هو الطريق الأمثل للتأقلم مع وجودها.

    وفي حين أنها قد تلغي بعض الوظائف، إلا أنها ستقدم فرص عمل جديدة، وستتيح العديد من الفرص النوعية للراغبين في اغتنامها. وما يتوجب علينا فهمه هو أن وظائف المستقبل ستكون مختلفة عن الوظائف التقليدية التي نعرفها اليوم.

    ويحتاج شبابنا إلى تعلم مهارات تساعدهم على التكيف من الاحتياجات المتغيرة لبيئة العمل، خلال العقد المقبل، ولهذا يتعين عليهم صقل مهاراتهم والمواظبة على اكتساب المهارات الجديدة والاستعداد للتعلم أثناء عملهم. ورغم أن الأساس التعليمي سيحافظ على أهميته، إلا أن القدرة على تطوير مهارات ناعمة، والاستمرار في التكيف والتعلم، ركنان رئيسان للنمو والازدهار في بيئات عمل المستقبل.

    ولاشك أن الحاجة إلى الإبداع والابتكار ومهارات حل المشكلات المعقدة، ستكون على أشدها، وكذلك الأخلاقيات البيئية والذكاء العاطفي. ونحن اليوم على مشارف عصر الابتكار وريادة الأعمال، وستقدم دولة الإمارات العربية المتحدة كل أشكال الدعم الممكنة لشبابها، لتحقيق أقصى استفادة من الفرصة المتاحة لهم.

    فعندما نفكر في المستقبل، تسيطر على أذهاننا تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات وتحليل البيانات الضخمة، باعتبارها اتجاهات سائدة، لذلك فإن امتلاك الخبرة في هذه المجالات أمر حتمي لا مفر منه لشغل وظائف المستقبل.

    ومن المتوقع لتقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز أن تنتشر بكثرة في بيئات العمل، وبالتالي خلق مزيد من فرص العمل في مختلف القطاعات، لاسيما في مجالات الألعاب ووسائل الإعلام والترفيه. وسيكون الطلب مرتفعاً على المهنيين في مجالي الواقع الافتراضي والواقع المعزز، خلال السنوات المقبلة. وسيدفع التعلم الآلي وإنترنت الأشياء عجلة التغيير، في ظل قدرة أكبر على التفاعل بين البشر والآلة.

    وبينما يسعى العالم إلى توحيد جهوده للحد من تداعيات التغير المناخي، نشهد أيضاً توجهاً أكبر نحو الاقتصادات منخفضة الكربون، التي تكثر فيها مصادر الطاقة المتجددة وينخفض فيها استخدام الفحم. ويبدو أن الاستدامة تمثل اتجاهاً آخر سينال حصته من الحوار على نطاق أوسع في الأيام المقبلة.

    ومع تطور قطاع الطاقة، وتوقعات دخوله مرحلة جديدة من التغييرات على مدار العقود الثلاثة المقبلة، تماشياً مع استراتيجية الإمارات للطاقة 2050، يحتاج شبابنا إلى التدريب ليتمكنوا من شغل الوظائف في قطاع الطاقة البديلة، مع أخذ أهداف الطاقة المستدامة بعين الاعتبار.

    وعندما تصبح الموارد شحيحة، ونزيد من اعتمادنا على مصادر الطاقة المتجددة، ستنشأ أيضاً مصادر دخل وفرص عمل جديدة. فعلى مستوى العالم، يتوقع لقطاع الطاقة أن يوفر 24 مليون وظيفة في الاقتصاد النظيف، بحلول عام 2030. كما أن المساعي العالمية الجديدة للحد من الانبعاثات ستعود بتأثير جذري على العديد من القطاعات وطريقة عملها.

    فإذا كانت معدلات الوظائف تتجه نحو الانخفاض، والموارد في طريقها إلى الندرة، فإن هذا سيقابله ظهور فرص عمل جديدة وموارد طاقة أخرى، ولهذا تقع على عاتق الشباب مسؤولية ضمان استمرارهم المهني وتأمين جودة أفضل لحياتهم في المستقبل.

    المهندس عويضة مرشد المرر :رئيس دائرة الطاقة في أبوظبي

    طباعة