5 دقائق

    قرارات مجمع الفقه الإسلامي في دورته الـ 24

    د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

    عقد مجمع الفقه الإسلامي دورته الـ24 في إمارة دبي، برعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله تعالى، وتنظيم دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري، ليناقش موضوعات هي غاية في الأهمية، هي العقود الذكية SMARTCONTRACTS وكيفية تفعيلها والإقالة منها: دراسة العقود الذكية ومدى ارتباطها بموضوع العملة الرقمية. والتضخم وتغيير قيمة العملة، عقود الفيديك، والتسامح في الإسلام وضرورته المجتمعية والدولية وآثاره، وتحقيق الأمن الغذائي والمائي، وأهم المشكلات التي تواجهها الدول الإسلامية وآثاره في التحديات المستقبلية للأمة الإسلامية، والجنيوم البشري والهندسة الحيوية المستقبلية - استعراض قرارات المجمع - وبيان مردودها الفاعل والمستجدات والتحديات.

    وأصدر في كل ذلك قرارات نافعة، ففي شأن العقود الذكية ونظراً إلى ما فيها من إشكالات وعدم وضوح، وما يجري فيها من تطور قد يغير ما يُظن أنه تصور كافٍ لها، قرر تأجيل البت في حكم هذه العقود إلى حين عقد ندوة متخصصة بشأنها، وبعد البتّ في موضوع العملات المرمَّدة، أو المعمَّاة المشهورة بـ«المشفّرة»، وذلك لدراسة كل جوانب هذه العقود، مع تأكيده على قراره السابق رقم 52 (3/‏‏‏‏‏6) بشأن حكم إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة، بجميع فقراته، وأن هذا القرار ينطبق على العقود الإلكترونية التي هي مستقلة عن العقود الذكية. وهذا يدل على تروي المجمع في إصدار أحكامه حتى يتم التصور الكامل لها.

    أما تضخم قيمة العملات النقدية الذي يعانيه كثير من العملات، فقد رأى المجمع تقسيمه إلى فاحش، ويسير، وقرر أنه عند حصول التضخم الفاحش بعد نشوء الدين فإنه لا مانع من اتفاق الدائن والمدين عند السداد على رد الدّين بالقيمة، أو توزيع الضرر بين الطرفين صلحاً، وأنه يجوز إمضاؤه قضاء أو تحكيماً، وأنه لا يجوز الاتفاق على ذلك عند التعاقد، وقرر أنه يرجع في تقدير الفاحش إما إلى التراضي وإما إلى القضاء أو التحكيم. كما أصدر 12 توصية في هذا الموضوع سيكون لها الأثر الكبير في معالجة التضخم لو أنها أخذت بعين الاعتبار.

    وأما عقود الفيديك، التي هي مجموعة نماذج لعقود إنشائية هندسية تهدف إلى ضبط العلاقة بين صاحب عمل أو من يقوم مقامه، ومن يقومون بتنفيذ هذا العقد، لإنجاز مشروع تتعدد عناصر الإنشاء فيه بحيث يتم تسليمه جاهزاً للاستعمال فيما أُعد له، فقد قرر أن هذا العقد جائز شرعاً، إذا تم فيه التزام بالأحكام والضوابط الشرعية بين المتعاقدين.

    وأما التسامح في الإسلام فقد قرر أنه مبدأ أصيل في الإسلام، وردت أدلته في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وله تطبيقات كثيرة في السيرة النبوية وأفعال الصحابة، رضي الله عنهم، والتاريخ الإسلامي، ومن أبرز صور السماحة مع المخالفين في عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما اقتضته وثيقة المدينة المنورة، كما أشاد بما قامت به دولة الإمارات العربية المتحدة من فعاليات متعددة لتحقيق التسامح والتعايش بين الناس لتعطي صورة جلية عن سماحة الإسلام في التعايش.

    كما أوصى بإدراج قيمة التسامح في المناهج التربوية والتعليمية. وبتضمين الخطاب الديني قِيم التسامح في جميع المجالات، وإبراز قيمة التسامح في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.

    وأما تحقيق الأمن الغذائي والمائي في الدول الإسلامية، فقد بيّن المجمع أن الإسلام يدعو إلى المحافظة والاقتصاد في الماء والغذاء وينهى عن الإسراف والتبذير في كل شيء، وعن كل ما يلحق الضرر بالأفراد والمجتمعات، وأصدر توصيات للدول والشعوب كفيلة بأن تحقق للناس الكفاية الذاتية من الماء والغذاء لو أُخذ بها.

    وأما موضوع الجَنيوم البشري والهندسة الحيوية المستقبلية، فقد أكد فيه على قراره السابق رقم 203، وما طرأ له من تقنيات حديثة للتعديل الجيني وتحرير الجينات بوظيفة الاستبدال أو التصحيح، فقد قرر جوازها بثلاثة شروط تضبط الاستفادة منه وتمنع التلاعب فيه.

    وهكذا كان المجمع موفقاً في قراراته النافعة، وكانت دائرة الشؤون الإسلامية رائدة ومبدعة في تنظيمه، فلله الحمد على توفيقه والشكر لمن رعى ونظم وأسهم في إنجازه.

    «كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه. 

    طباعة