5 دقائق

لماذا نؤمن بالأبراج؟

عبدالله القمزي

يؤمن الكثير من الناس بالأبراج إيماناً لا يتزحزح، ويربط الكثيرون قراراتهم بالتكهنات الواردة فيه. عندما أُسأل عن برجي فإن السؤال غالباً من فتاة، سواء من العائلة أو زميلة، وبغض النظر عن جنس السائل، فإن الاهتمام بالموضوع يحيرني أكثر من الموضوع نفسه.

هناك جانبان للمسألة: الأول يتعلق بسمات شخصية الفرد، والثاني مرتبط بقرارات المستقبل. ولدينا نهي واضح في الدين بترك كلام العرافين وعدم الأخذ به مهما بلغت دقته.

يبقى الجانب الأول المتعلق بشخصية الفرد، الذي نسج الكثير منا حوله تصورات خاطئة، أبرزها عدم قدرة رجل وامرأة منتسبين لبرجين متضادين، على الزواج مثلاً! أو حرص فتيات على الزواج من رجل مولود في برج وفق مزاجها، لأنه يتمتع بصفات فارس أحلامها! وكلها تصورات ساذجة مبنية على جهل.

أو أن تبرر زميلة عدم تقبلي لأمر ما، أو صعوبة إنجاز مهمة عمل بسبب شخصيتي المرتبطة بشكل مباشر ببرجي وليس بسبب قدراتي ومهاراتي، كما حدث معي في وظيفة سابقة. هناك اعتقاد سائد أن أخطاءنا تحدث بسبب قوى خارجية تهيمن على شخصياتنا وقراراتنا، وهذه القوى تنبع من الأبراج.

ما يحدث هنا أن المؤمنين بالأبراج يصدقون ما يريدون الاقتناع به، بدلاً من النظر إلى الأمر من وجهة نظر موضوعية. الإنسان مهووس بالاكتشاف والتفسير، يريد تفسير كل شيء إلى درجة الإيمان بمقولة: أنا شخص غير حاسم لأني من برج الميزان! فسر هذا الشخص لغز تردده ووضعه في صندوق، والمسألة منتهية بالنسبة له.

ولكن ماذا عن شخص فظ يجرح مشاعر الآخرين؟ هل من المناسب تبرير سلوكه لأنه يتبع برج العقرب مثلاً؟ وإذا كانت الأبراج، حسب اعتقاد هؤلاء، تحدث بسبب حركة الكواكب والقمر والنجوم، فهل هذا يعني أن نلوم الأجرام السماوية على سوء أخلاقنا وسلوكنا؟ لو كان الأمر كذلك فهذا أقرب إلى الشعوذة! مع الأخذ في الاعتبار أن العلم لا يعترف بالأبراج.

نحن البشر لدينا ميل شديد لتصنيف الأشياء ووضعها في مجموعات، وهذا الميل ينسحب على تصنيف أنفسنا وفق مجموعات تسمى كل واحدة منها باسم البرج، فعندما تقول أنا أتبع برج الثور أو الأسد، فقد صنفت نفسك ضمن إحدى المجموعتين.

ثم نبدأ بتعريف سلوكنا وفق كل مجموعة (برج)، وأحياناً يحدث ذلك دون إدراك الشخص نفسه لسلوكياته، كأن يقول أحدنا أنا أتبع برج الحمل يعني أن قراراتي تتصف بالاندفاعية، رغم أن هذا الشخص نفسه لم يمرّ بتجربة أو تاريخ اتخاذ قرار بتلك الصفة.

ثم تأتي المقارنة الاجتماعية، وهي أن يصنف الشخص نفسه ضمن المجموعة المنتمي إليها، «أنا برج العذراء» وتنظيم الأشياء والانتباه للتفاصيل من صفاتي، ثم يذكر أحد المشاهير كبرهان على أفضلية مجموعته: بيونسي مواليد العذراء.

بالعربي: سبب الهوس بالأبراج أنها تجعل الناس تشعر بأنهم مرتبطون بقوى أكبر منهم، تتحكم في تنظيم الأحداث بالحياة، وأن العيوب في شخصيات البشر ليست ذنبهم، بل تأتي من قوى خارجية! ويعجز هؤلاء عن إدراك حقيقة بسيطة، هي أن الإنسان مخلوق معقد جداً، ولا يمكن أبداً الاكتفاء بعلم لا ينفع كالأبراج لتفسير سلوكه.


المؤمنون بالأبراج يصدقون ما يريدون الاقتناع به، بدلاً من النظر إلى الأمر من وجهة نظر موضوعية

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة