سريالي

مدن الأمازون المفقودة

أحمد المظلوم

«الواقع أن هذه الأرض لعلها قد عرفت الوجود ملايين المرات قبل وجودها الحالي، وهي في كل مرة قد شاخت وتغطت بالثلج وتشققت في كل اتجاه، ثم تحللت وارتدت إلى عناصرها الأولى، فساد ملكوت المياه من جديد، ثم ظهر مذنب جديد فشمس جديدة ولدت بدورها أرضاً. وتكرر هذا التطوّر عدداً لا نهاية له من المرات بهذه المراحل نفسها، وهذه التفاصيل ذاتها!».

دوستويفسكي - رواية الأخوة كارامازوف

غابة الأمازون هي قلب الأرض النابض الذي يمنحنا الحياة، حيث تنتج هذه الغابة المطيرة الشاسعة أكثر من ربع الأكسجين الموجود على كوكب الأرض، وتضم آلاف الأنواع من النباتات والحيوانات التي قد لا تجدها في أي مكان آخر، ويقدر أن نسبة سكان حوض الأمازون اليوم تبلغ نحو 250 ألف نسمة لايزالون يعيشون وفق أساليب العيش البدائية منذ آلاف السنين.

في إحدى المقابلات المهمة والشيقة - أنصحكم بمشاهدتها - التي أجراها جو روغان صاحب أشهر بودكاست في العالم مع الكاتب والصحافي المشهورغراهام هانكوك، والتي تطرّق خلالها إلى موضوعات عدة، كشف عن معلومات مذهلة قد تسمعها لأول مرة في حياتك عن حوض الأمازون، إذ أشار غراهام إلى أن الأمازون هو لغز لم يتم فك رموز معظم أجزائه حتى الآن فهناك أكثر من خمسة ملايين ونصف المليون كيلومتر مربع لم تطأها رجل بشر إلى اليوم! وهذه المساحة تعادل حجم شبه القارة الهندية لتقريب الصورة أكثر لكم! لكن ما قصة مدن الأمازون المفقودة التي اخترتها كعنوان لهذا المقال؟

في عام 1541 خاض أحد المستكشفين الإسبان مغامرة صعبة ومثيرة للإعجاب حين انطلق في رحلة مليئة بالمخاطر عبر نهر الأمازون استغرقته عاماً كاملاً حتى أصبح أول أوروبي يعبر نهرالأمازون بالكامل من الشرق إلى الغرب، وقد كتب في مذكراته عن هذه الرحلة بأنه رصد آلاف المدن المتناثرة في حوض الأمازون، وهذه المدن كانت ضخمة بحجم مدينة لندن اليوم من باب المقاربة ومتطوّرة جداً، وقد قدر عدد سكان حوض الأمازون آنذاك بـ20 مليون نسمة! لكن بعد 100 عام قامت مجموعة أخرى من المستكشفين الأوروبيين بالرحلة نفسها، لكنهم لم يرصدوا وجود أيّ من المدن الهائلة المذكورة في تقارير المستكشف الإسباني فأين اختفت هذه المدن؟ أم كان ذلك المستكشف الإسباني يكذب أساساً؟

الحقيقة أن مرض الجدري كان السبب في اختفاء هذه المدن، وذلك حين قدم الغزاة الإسبان لاحتلال قارة أميركا الجنوبية جلبوا معهم أمراضاً معدية لم تكن لدى الشعوب الأصلية أي مناعة أو تحصين ضدها، وهذا ما قضى عليهم جميعاً في حوض الأمازون في مدة زمنية قصيرة جداً لا تتجاوز 100 عام! ولهذا السبب لم يتمكن المستكشفون الأوروبيون من إيجاد أي آثار لمدن أو أناس كانوا يعيشون على هذه الأرض حتى الغابة شاركت في طمس معالم آلاف المدن، حيث نمت فوقها الأشجار فلم تبق على شيء منها.

هذه الحقائق التي ذكرتها مسبقاً لم تكن معلومة حتى وقت قريب جداً، إذ اكتشفت بالمصادفة حين تزايدت النزعة الاقتصادية لدى الحكومات المشرفة على حوض الأمازون، وقررت تصفية مساحات كبيرة من الغابات لتهيئة الأراضي للزراعة أو لمشروعات حكومية أخرى، فقد كشفت لهم عمليات التصفية هذه عن أشكال جيومترية معقدة من صنع الإنسان تدل على معرفة عميقة في علم الفلك وهذا ما يدعوني للتساؤل: هل مر على الأرض زمن في غابر الأيام كانت تعيش فيه حضارات مفقودة متطورة لا نعلم عنها شيئاً؟ هل يمكن أن يكون فهمنا للتاريخ خاطئاً؟

ابق ذهنك متيقظاً دائماً لأفكار جديدة.. فالحقائق لا تكون حقائق إذا تم استبدالها بأخرى.

• هل مر على الأرض زمن في غابر الأيام كانت تعيش فيه حضارات مفقودة متطوّرة لا نعلم عنها شيئاً؟ هل يمكن أن يكون فهمنا للتاريخ خاطئاً؟

Ahmed_almadloum

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة