EMTC

5 دقائق

أجيال واختراعات

عبدالله القمزي

كل اختراع أثر على سلوك البشر وأسهم في تغيير جزء من قناعاتهم وأفكارهم دون المس بالثوابت الدينية والقيم الوطنية والاجتماعية. جاءت السيارة منذ 100 عام وصُدمت الناس من الخليج إلى مناطق وسط أميركا من ذلك الاختراع العجيب الذي شيطنه البعض!

دخلت علينا الكهرباء وانتشرت الإنارة وكانت سبباً في توسع المدن وسكن المناطق غير المأهولة سابقاً، والتي كانوا يقولون إنها مسكونة بالجن! وعندما أنيرت مناطق الظلام لم يعد هناك جن للجيل الذي سكنها بينما ظل المعتقد مع الجيل الذي قبله.

في الستينات دخل علينا التلفزيون وسبب صدمة لأجدادنا وجيلهم في كل دول الخليج العربي الذين لم يتقبلوه وشيطنوه. مع الوقت تقبله بعض أفراد ذلك الجيل وأبناء الجيل الذي بعده. دخل علينا الكمبيوتر الشخصي في التسعينات وبعده انتشر الكمبيوتر المحمول وهذان الأخيران فشا استخدامهما بسبب الإنترنت.

ثم جاء ملك الاختراعات - الهاتف الذكي - هنا تغيرت كل قواعد اللعبة! فسابقاً كانت الإنترنت لمن يستطيع الولوج إليها بمزاجه، إن شاء تركها وإن شاء بقي متصلاً بالشبكة. اليوم أصبحت الإنترنت كوحش يسكن في هواتفنا الذكية، هذا الوحش ذو ميزة هجومية!

لم يشيطن أحد الهاتف الذكي لكنه تعرض لانتقادات شديدة بسبب طبيعته الإدمانية. اترك هاتفك أمامك على الطاولة وراقب تدفق الرسائل واسأل نفسك: هل حدث هذا الشيء في حياتك من قبل؟ نحن في زمن ليس له أي مثيل ولا يقارن بالعقود الماضية.

لا يستطيع أحد أن يشيطن الهاتف الذكي أو الإنترنت - وهذان الاختراعان يعملان معاً لا يمكن فصلهما أبداً- لأنه أولاً، يستخدم في كل مجالات الحياة، وثانياً، لأن المستخدم اليوم على درجة كبيرة جداً من الوعي بأهمية الجهاز، خصوصاً أن هذا المستخدم ينقسم إلى فئتين: الأولى تدرجت 20 عاماً قبل وصولها إلى الهاتف الذكي، والثانية ولدت في الألفية ووجدت الجهاز أمامها. بعكس كل الاختراعات السابقة التي لم تشهد تدرجاً مماثلاً.

لكننا نقف أمام إشكالية كبيرة خصوصاً أننا دخلنا حالة التباس شديدة: هل نحن محصنون ضد هجمات وحش الإنترنت؟ الجواب يعتمد على سلوك كل شخص على حدة. الهاتف الذكي الاختراع الوحيد الذي له قدرة رهيبة على إحداث تغيير جذري في سلوك المستخدم والعبث بثقافته وثوابته وتشويهها أو تطويرها.

كلما كان المستخدم أكبر سناً، تجده أنضج عقلاً وأغزر ثقافة أو خبرة وأكثر رسوخاً من ناحية تمسكه بثوابته الدينية وعاداته وتقاليده المنبثقة من قيمه الوطنية. وكلما كان المستخدم أصغر سناً (مواليد الألفية) تجده خفيف العقل تنقصه الرجاحة، وأضحل ثقافة، وأتفه معلومة يلتقطها عبر الإنترنت تهز قناعاته الدينية. السبب، لأن هذا الجيل لم يقرأ بشكل عام.

بالعربي: نعيش زمناً مرعباً تتعرض فيه ثوابتنا الدينية وقيمنا الاجتماعية والوطنية لهجوم كاسح من كيانات شريرة خارج الدولة. لو لم ننشئ حصوناً دفاعية بتقوية الثوابت وترسيخ القيم الوطنية لدى جيل الألفية وجيل هذا العقد، فسينشأ لدينا جيل غامض الهوية بعد 30 عاماً من اليوم، سنراه جيل أجانب وسيرانا غرباء!

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة