5 دقائق

التعليم بـ «التزغيط»

د. علاء جراد

من أشهر أصناف الطعام في فرنسا نوع من الكبدة الدسمة تُسمى «فواغرا»، وتؤخذ من الأوز المشهور باسم أوز ستراسبورغ، حيث يتم تسمين هذا الأوز وإطعامه بالإكراه وهو ما يعرف بـ«التزغيط» حتى يتضخم الكبد ويمتلئ بالدهون فيعطي طعماً مميزاً وكذلك يزداد وزنه، وقد قامت بعض الدول بإصدار قوانين وقرارات تجرم هذا الفعل رفقاً بالحيوانات. لقد تذكرت هذا الموضوع وأنا أشاهد ظاهرة جديدة بدأت تنتشر في بعض الدول، وهي تحفيظ الطلاب المواد العلمية على أنغام أغنيات شعبية، وصور أخرى كثيرة من التعليم تعتمد في مجملها على حشو أو «تزغيط» الطالب بالمحتوى بأي طريقة، المهم أن يتذكر الطالب ذلك المحتوى في الامتحان فيجتره على ورقة الإجابة ويخرج ناسياً ذلك المحتوى خلال ساعات.

للأسف هذا النوع من التعليم، الذي يعتمد فقط على إعداد الطالب للامتحان وتذكيره دائماً بأنه في الامتحان «يكرم المرء أو يهان»، فهذا هو الفشل بعينه والعجز التام لأي نظام تعليمي، بل إن ذلك يعد خطأً استراتيجياً على الاقتصاد الوطني لأي دولة، حيث يتم إهدار ميزانيات التعليم على مخرجات لا تسمن ولا تغني من جوع ولا تضيف أي قيمة تُذكر، ويفوز بالوظائف فقط من تعلم في مؤسسات خاصة أو تعلم بالخارج. ولاشك أن ذلك النوع من التعليم يؤدي للبطالة المقنعة، حيث يسعى خريج هذا النظام التعليمي للالتحاق بأي عمل أياً كان، ببساطة لأنه لم يكتسب المعارف والمهارات والاتجاهات اللازمة لتأهيله، وبالتالي فهو يقبل بأي شيء لأن ما يمتلكه عبارة عن وثيقة ورقية مذكور فيها اسم درجة علمية من دون محتوى حقيقي.

تظل مشكلة جودة التعليم تراوح مكانها في الوطن العربي إجمالاً، على الرغم من حدوث بعض التحسينات في بعض الدول ودخول بعض الجامعات العربية ضمن أفضل 500 جامعة في العالم، لكن سرعان ما تخرج أو تتأخر في الترتيب، هذا بخلاف جودة التعليم الفني والمهني والتعليم ما قبل الجامعي، الذي يكثر فيه نظام التحفيظ، وبالتالي من الطبيعي أن نجد طلاباً في مؤسسات التعليم العالي يأخذون دروساً خصوصية مثل طلاب المدارس لأن هذا ما تعودوا عليه، فلا يوجد لديهم مهارات التفكير الناقد الذي يفترض أنه من أهداف مؤسسات التعليم العالي. أتصور أن هناك دائماً حلولاً، وأن هناك دائماً ضوءاً في آخر النفق، المهم أن ندرك أهمية الإسراع في التحسين والاستثمار في أساليب التعليم الحديثة في مختلف المراحل، التي لم تعد تعتمد على المحتوى بل تعلّم الطالب كيف يتعلم وكيف يتبنّى مسؤولية تعلمه مع إتاحة الإمكانات والمصادر كافة.

Alaa_Garad@

Garad@alaagarad.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة