5 دقائق

«يعلني فداك..!»

عبدالله الشويخ

أمر سيئ أن الترحيب بين الأصدقاء والمعاني الطيبة في ترحيب أحدهم بالآخر بدأت تنقرض، وأصبح الكل يعبر عن شوقه بطريقه معاكسة «وينك يا كذا» «من زمان ما تشفناك يا ابن الـكذا»، وهي بالطبع انحراف في فطرتنا التي مازالت تنحرف يوماً بعد يوم، إلا أن الاستثناء لايزال قائماً، فبين فترة وأخرى تتغير نبرة الصديق ويتصل بك هاشاً باشا، وقد عاد إلى الأيام الجميلة يبدأ بكيف الحال والأحوال والسؤال عن طبقات الأسرة، ويختم طيب قوله بكلمة «يعلني فداك»، وبالطبع فستقول آمين في سرك، لكنه سيدمر هذه اللوحة الجميلة بطلب سلفة مقدارها 15 ألف درهم لحاجته الماسة إلى الذهاب لعمل فحص علاجي كامل في أحد مستشفيات بانكوك، لأنه يحس بأن الأمور لا تطمئن، وهذا المبلغ هو متوسط ما ينفقه الراغب في العلاج من الإمارات في بانكوك، ويشكل سعر التذكرة ذهاباً وعودة، بالإضافة إلى الإقامة في فندق جيد لأيام عدة، وتكاليف الفحص الشامل في أحد المستشفيات، مثل بومرنغراد الذي ندلله بالمستشفى الأميركي، إن لم تكن هناك فحوص أخرى، أو إجراءات لا قدر الله، علماً بأن الموعد يتم إعطاؤه بحد أقصى بعد يومين.

بالطبع هناك خطوات عدة يقوم بها الراغب في التهرب من تسليف الآخر، أولها التباكي على الغلاء، والثاني التذرع بقرب رأس الشهر، والثالث إغلاق الهاتف أو وضع رقم المتصل في لائحة الأرقام السوداء في حال استخدام أحد هواتف الجيل الرابع، ولكن ضع في الحسبان أن اتصاله من هاتف «دو» بتغيير مفتاح المنطقة فقط سيجعل من السهولة عليه أن يصطادك!

الطريقة الأخيرة هي محاولة إقناعه بترك فكرته من أساسها، تايلاند؟! اتق الله يا رجل بعد هذا العمر المديد، ما الذي سيقوله الناس؟ أنت تذهب إلى هذه المنطقة السيئة السمعة؟ الناس ترى أنك مثل الحمار! (لاحظ هنا أن البعض سيهزون رؤوسهم باستحسان)، من الذي سيصدق أن الغرض من الزيارة هو العلاج؟ مستشفياتنا هي الأفضل، انظر إلى مبانيها من الخارج فهي خير دليل، انظر إلى الأسماء التي تلقي الرعب في جسد أي منظومة علاجية: كليفلاند، جون هوبكنز، مايو كلينيك، أسماء ملوكية، دع عنك القرب من البيت والعمل تخيل عدد الأصدقاء الذي سيدخل عليك بباقات وأصص وعلب فاخرة، تستطيع أن تفتتح بها محلاً، تخيل الوفود التي ستزورك من العائلة وربع الدوام والمسجد والمقهى والنادي، ثم هل تعتقد أن الشعوب الصفراء تستطيع إعطاءك علاجاً أفضل مما تهيئه الجهات المشرفة هنا؟

وأخيرا.. تبدأ بمحاولة رفع مستوى الوطنية فيه بالطرق على نقطة حساسة لدى الجميع، أنت تعلم الظروف الاقتصادية التي يمر بها العالم، الحمد لله نحن الأقل تأثراً بسبب خطواتنا الاقتصادية الواثقة، ولكن ألا تعتقد أن صرفك أي مبالغ في داخل الدولة هو أمر وطني؟ ألا ترى أن علاجك في الخارج مع مئات مثلك يثقل كاهل الدولة التي أعطتك الكثير؟ تخيل لو أن هذه الملايين استثمرت في البنية الصحية!

shwaikh@eim.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة