خُرافة «التوطين»!

سامي الريامي

137 نشاطاً متنوعاً من الأنشطة الاقتصادية المنتشرة في الدولة لا يعمل في أي منها سوى مواطن واحد فقط، و74 نشاطاً آخر، يعمل في كل منها مواطنان فقط، و50 نشاطاً لا يتجاوز عدد العاملين في كل منها ثلاثة مواطنين، ومن إجمالي الأنشطة البالغ عددها 485 نشاطاً، يصل عدد المواطنين فيها إلى 9672 مواطناً، ولا تسألوا عن إجمالي عدد العاملين في تلك الأنشطة مجتمعة، لأنهم من دون شك مئات الآلاف إن لم يصلوا إلى أكثر من مليون!

إنها ليست قطاعات صغيرة، بل هي مفاصل اقتصادية مهمة، وعلى سبيل المثال قطاع السياحة الحيوي والمهم، الذي يعتبر من أكثر القطاعات دخلاً وحجماً، تقل نسبة التوطين فيه عن 1 ٪!

هذه الأرقام الصادمة ليست خيالية ولا تأليفاً، بل هي، للأسف الشديد، واقع صعب، رصدته هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية «تنمية»، ووزارة العمل، في القطاعات الاقتصادية التي تندرج تحت اسم «قطاع خاص»، ولا يمكن أن نوجه اللوم والاتهام إلى المواطنين في هذه المسألة، فالسبب الرئيس هو أن أصحاب الأعمال ومُلاك الشركات الكبيرة سواء كان هؤلاء الملاك رجال أعمال «مواطنين» أو «أجانب» أو حتى الشركات العابرة للقارات، معظمها لا يريد التوطين!

نعم إنها حقيقة يعرفها الجميع، ويغض الطرف عنها الجميع، المواطن غير مرغوب فيه في القطاع الخاص، لأنه من وجهة نظرهم «الحسابية» مكلف مقارنة بالجنسيات الأخرى، مع أن الحقيقة تثبت دائماً عكس ذلك!

والحقيقة الأخرى التي يجب أن نقتنع بها هي صعوبة إيجاد الحلول، واستحالة فرض النسب والقيود على الشركات الكبيرة لإجبارها على توظيف المواطنين، وجميع مسؤولي وزارة العمل يفاوضون الشركات الخاصة في ما يتعلق بالتوطين من باب «الترغيب» وليس «الترهيب»، ومن مبدأ تعيين المواطن «خيار» وليس «إجباراً»، وبكل بساطة فإن جميع الشركات اختارت «خيار» عدم التوطين!

مسألة فرض نسب لتعيين المواطنين في القطاع الخاص، أو إلزام الشركات بتعيينهم خرافة كبيرة، لا يمكن تحقيقها أبداً، ولننسَ هذه القصة إلى الأبد، فمهما عملنا، ومهما خططنا، ومهما أجبرنا، هل سنستطيع تعيين 9000 مواطن مثلاً في أي من الأنشطة والقطاعات الاقتصادية المهمة والحيوية خلال خمس أو 10 سنوات، وهي ذاتها التي لم تعين سوى مواطن واحد طوال الـ30 سنة الماضية، لاشك في أن ذلك ضرب من الخيال!

لن نستطيع إدخال المواطنين في القطاع الخاص، لأن رب العمل يرفض ذلك، ولأن جميع الموظفين والمسؤولين المسيطرين على القطاعات، وغالباً ما يكونون من أبناء جنسيات واحدة، يرفضون المواطن، ولأن بيئة العمل في القطاع طاردة للمواطن بصورة متعمدة، ولأن الشركات الكبيرة وفي حال اضطرت لتعيين مواطن، فإن شغلها الأساس يكون في كيفية إثبات فشله، ومن ثم العمل على «تطفيشه»، وأعتقد أننا بحاجة إلى معرفة الرقم الحقيقي لعدد المواطنين الذين عملوا في القطاع الخاص وتم «تطفيشهم» بأساليب سخيفة ومنفرة!

«التطفيش» قضية أخرى كبيرة، وهي لا تقتصر على القطاع الخاص فقط، بل للأسف الشديد بدأت تنتشر حتى في القطاعات شبه الحكومية، وأيضاً الحكومية، وإذا أردتم معرفة أهم أسباب «تطفيش» المواطنين من أعمالهم، أياً كانت، فابحثوا على الفور عن المدير أو المسؤول «الأجنبي»!

 

reyami@emaratalyoum.com

طباعة