احترام الذات بالاستقالة..

سامي الريامي

ثقافة تقديم الاستقالة تحملاً للمسؤولية سمة رئيسة تميز المجتمعات المتقدمة فكرياً، وهي تجسد التطور الكبير في الإدارة، وتكرس كيفية وأهمية احترام المناصب والمال العام، وضرورة الإيمان بأهمية الرأي العام واحترامه، كما أنها خير تجسيد للجملة الشهيرة التي نسمعها دائماً في مجتمعنا، لكنها لا تعكس كثيراً من الواقع، وهي «المسؤولية تكليف لا تشريف»!

ربما يكون لليابانيين نصيب الأسد في احترام هذه الثقافة، وقد يعود السبب إلى قناعة اليابانيين بقدسية العمل، ودخوله بشكل أو بآخر ضمن الطقوس الدينية، وتغلغله في عقلية الشعب الياباني.

ويعتبر ناكارغوا أشهر الوزراء اليابانيين الذين تحملوا مسؤولية أخطائهم، وقدم استقالته بسبب خطأ شخصي، خلال العام الماضي، وشوسيتي ناكارغوا كان يشغل منصب وزير المالية، عندما حضر مؤتمراً صحافياً وهو «مسطول» للغاية، فتناقلت وكالات الأنباء صوره، وهو يرتدي ربطة عنق معوجة، ويتمايل يميناً ويساراً، وهو بالكاد يستطيع فتح عينيه الضيقتين أصلاً، وبعد الانتقادات الواسعة التي تعرض لها، اعترف بأنه حضر إلى المؤتمر «مخمورا»، ثم قدم استقالته من منصبه.. ناكارغوا «زودها شوي»، فكانت النتيجة خسارته منصبه، لكن هناك مسؤولاً يابانياً آخر ينتمي إلى فئة «مسؤول رفيع المستوى»، فهو نائب وزير، استقال من منصبه لسبب قد نراه نحن «تافهاً» للغاية، لكن بما أننا مازلنا نتحدث عن اليابان فالوضع مختلف، فهذا المسؤول استخدم بطاقة مجانية لركوب القطارات، ولم يكن في مهمة رسمية، بل كان ذاهباً لمقابلة صديقته، وبمجرد أن فاحت رائحة الخبر عبر إحدى المجلات، استقال من منصبه بعد أن اعترف بالخطأ! وفي دولة أخرى قريبة من اليابان، قدم وزير الصحة في تايلاند استقالته من منصبه بعد أن مثل للتحقيق بسبب بناء منشآت وشراء مستلزمات طبية، اعتبرتها اللجنة المكلفة بالتحقيق «غير ضرورية»، طبعاً الوزير استقال وقال في مؤتمر خاص للإعلان عن الاستقالة «أريد أن أُظهر للمواطنين تحملي للمسؤولية».

وبعيداً عن شرق آسيا، هناك في القارة اللاتينية، استقال وزير الاقتصاد الأرجنتيني بعد أن قضى في منصبه 15 شهراً فقط، واستقالته لم تكن مرتبطة بفساد مالي ولا بأخطاء كارثية، لكنها كانت بكل بساطة لأنه شعر بأنه لم يقدم شيئاً للحكومة طوال الأشهر القليلة التي قضاها في منصبه، فالوزير شعر بأنه أخفق في إنعاش الاقتصاد الراكد، واختار أن يتنحى عن منصبه، على الرغم من أن الاقتصاد كان راكداً في الأرجنتين منذ أكثر من سنتين ونصف السنة! وفي أميركا أعلن البيت الأبيض أن الرئيس باراك أوباما قبل استقالة المسؤول عن أسطوله الجوي بعدما حلقت طائرة رئاسية فوق نيويورك وأيقظت المخاوف التي شعر بها الناس في 11 سبتمبر، لاحظوا السبب الذي جعل المسؤول الأميركي يستقيل، مجرد إيقاظ مخاوف الناس، لا أخطاء، ولا فضيحة مالية أو اجتماعية، ولا تبديد أموال عامة، كل ما في الأمر أن الطائرة الرئاسية حلّقت في مكان غير بعيد من موقع برجي التجارة وتمثال الحرية من أجل التصوير، فأصاب الناسَ الهلعُ وتسبب ذلك في إخلاء بعض المباني! أمثلة بسيطة من أمثلة أخرى كثيرة جداً، تؤكد أن ثقافة تقديم الاستقالة تعني احترام الذات، واحترام المجتمع والرأي العام، وتؤكد مبدأ أن المنصب العام مجموعة التزامات وواجبات، ومن يخلّ بشيء بسيط منها فالأجدر به أن يترك ذلك المنصب لغيره!

 

reyami@emaratalyoum.com

طباعة