شخصية الكاتب

سالم حميد

إن أكثر ما يدعوني للفخر بالكتابة في «الإمارات اليوم» هو أنني أكتب في هذه الجريدة الناجحة منذ أول عدد صدر منها بتاريخ 19 سبتمبر .2005 ومنذ ذلك التاريخ وإحدى القارئات العزيزات تتابع كل ما أكتب، وترسل لي الكثير من الإيميلات وتناقشني وتحاججني في الكثير من الأمور بكل ودّ، احتراماً للقول العربي الشهير «الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية»، والآن وبعد مرور أكثر من أربع سنوات، وقبل فترة طلبت تلك القارئة العزيزة لقائي فأجبت طلبها، بسبب توّلد نوع من التوافق على بعض الأفكار، وبعد الجلوس معاً لمدة تجاوزت الساعتين صُعقت تلك القارئة بشخصيتي وسألتني «هل أنت الشخص ذاته الذي يكتب تلك المقالات أم أن هناك شخصاً آخر يكتبها لك؟!».

بصراحة، لم استغرب السؤال وودتُ حينها أن أسألها «وهل أنتِ الشخص ذاته الذي يقرأ تلك المقالات أم أن هناك شخصاً آخر يقرأها لكِ؟!»، لكنني لم أشأ إحراجها وتركتها تكمل حديثها، فأضافت «توقعتك شخصاً ثورياً عنيفاً عنيداً متعجرفاً شديد التذمر، يطالب بالتغيير في كل شيء في المجتمع، ومعجباً بالشخصيات الثورية، وتحمل الشعارات الثورية معك دائماً، لكنني أشعر الآن بأنك شخص ودود ولطيف للغاية، ولو صرخت عليك بكلمة بوووو لانتفضت فزعاً!».

اختلفتُ أخيراً مع أحد الأصدقاء الأعزاء من كُتاب الرأي، لأنه شددّ على أن ما يكتبه كاتب الرأي يعكس شخصيته الحقيقية، وهذا ما لم اتفق معه، فحسب مفهومي ليس بالضرورة أن ما يكتبه الكاتب يعكس شخصيته الحقيقية، فقد تكون الكتابة عبارة عن مهنة يرتزق منها الكاتب ليؤلف ما يطلبه رب العمل أو ما يطلبه القراء، أو يتعمد كتابة ما يكرهه البعض من مختلف فئات المجتمع من أناس عاديين أو مسؤولين كي يستنهض أصواتاً عالية لإبداء احتجاج في بعض المواقف، أو إلقاء الضوء على حقيقة اجتماعية غابت عنا. كما أن من شأن تلك الكتابات أن تغير قراراتنا بصورة جذرية، أو تصحح أو تحسن الحالة الإنسانية.

شخصياً، اعتبر الكتابة فناً مثل بقية أنواع الفنون، فالممثل البارع عندما يتقمص دور شخصية شريرة في المسرحية أو الفيلم، ويؤدي الدور بكل احترافية، لدرجة تجعل المشاهد يكرهه، فهذا يدل على مدى نجاح الممثل في أداء دوره بكل مهنية، لكن هذا لا يعني أن ذلك الممثل البارع يعكس شخصيته الحقيقية، فقد يكون شخصاً في غاية الطيبة واللطافة ولا يعرف معنى للشر، لكن الدور الذي لعبه يتطلب منه نزع شخصيته الحقيقية واستبدالها بشخصية أخرى. وهذا الأمر أيضاً ينطبق على الكاتب، ولكن، للأسف، بعض القراء يكوّنون فكرة عن الكاتب بناءً على ما يكتبه، من غير أن يعرفوا جوهر الكاتب الحقيقي، وعلى غير إدراك بأن الخيال في الكتابة أو الفن لا حدود له ولا قيود، فبالفن والكتابة تم إرساء الكثير من الأفكار، وتمت بلورة الكثير من المواقف.
طباعة