كي لا ننسى

يوسف ضمرة

هذا عنوان يتردد في الفضائيات العربية، وفي بعض المجلات والصحف، ووسائل الإعلام الأخرى. والقصد من هذا العنوان هو الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية خصوصاً، والعربية عموماً، من التلف واتساع الثقوب، طالما كانت المظالم الصهيونية والدولية قائمة ومتواصلة، ضد شعب خبر السوريالية واقعاً موضوعياً، وأصبح جزءاً من الفنتازيا التي كان المثقفون والكتاب يظنونها منهجاً أو مدرسة أدبية وفنية فقط.

ولا أعرف كيف لمن فقد أسرته مثلاً أن ينسى. ولمن عاش الموت أياماً وساعات وشهوراً أن ينسى، ولمن لا يجد قوت يومه أن ينسى، فماذا ننسى إذن؟ وما المقصود حقاً بذلك العنوان«كي لا ننسى»؟

هل المطلوب أن نتذكر المجازر والمذابح، ثم نرويها مستقبلاً إلى أبنائنا وأحفادنا كجزء من تاريخنا وربما ثقافتنا أيضا؟ أم المطلوب صون هذا الدم النبيل وإحياؤه ليكون شاهداً وحافزاً لاستمرار المقاومة حتى يتم انتزاع الحق العربي الفلسطيني؟ 

في هذا السياق تصبح الذاكرة توأم التعبئة الوطنية، وأخت الأنفاق التي يحاول العدو تدميرها في استماتة. وفي هذا السياق لا تتحول أغنيات العهد الناصري مجرد مهيّج للحنين إلى مرحلة تاريخية، بمقدار ما تستعيد دورها التعبوي اللازم، لأن العدو لايزال عدواً، ولأن العالم لم يتعامل بعد معنا إلا من زاوية ميزان القوى، لا ميزان الحق، ولا ميزان الحرية وحقوق الإنسان وما شابه ذلك.

«خلّي السلاح صاحي»، لا لأنها أغنية تذكرنا كم كانت قاماتنا عالية أيام المد القومي الناصري، بل لأنها حين تتزامن مع الصواريخ «العبثية»! والصمود الفلسطيني العظيم في غزة، تصبح نداءً طالعاً من عزيمة وإرادة وقراءة للمصير.

يمكن لنا أن ننسى اتفاقيات التسوية مع العدو الصهيوني في سهولة ويسر، لأنها لم تتمكن من انتزاع حق عربي في كرامة وإباء. ويمكن أن ننساها أيضاً لأن الشعوب الحية عبر التاريخ لم تجد نفسها يوماً أمام خيار واحد، كما تدّعي قيادات فلسطينية وعربية. ويمكن لنا أن ننسى المظالم التي لم يتح للمظلوم فيها أن يلعب دوراً في رد الظلم. أو نتذكرها في أحسن الأحوال كفصل من فصول تاريخنا المنتهك. لكننا لن ننسى أي اعتداء أو اغتصاب أو جريمة تمكنا خلال فصولها من محاولة التصدي لها بالكرامة والعزة والشرف الإنساني.

لقد خسرنا في غزة الكثير من الشهداء والجرحى، وخسرنا آلافاً من المنازل والأرض. وخسرنا مليارات الدولارات، وحوصرنا وتعرضنا للجوع وللموت ظمأ، وتعرض آلاف الأطفال إلى الرعب المجنون، ما يرتب سيكولوجيا مستقبلية غامضة. ولكننا ربحنا ما هو أكثر أهمية من ذلك كله. فقد ربح الفلسطينيون أنفسهم وثقافتهم الإنسانية، فكيف ننسى؟ 

كيف ننسى أن المقاومة الفلسطينية في غزة وقفت شبه عزلاء في مواجهة رابع أكبر جيش في العالم، من دون أن تتوجع أو تطلق نداء استغاثة؟ وكيف ننسى أن حفنة من الرجال قررت أن تقول للعدو: كفى، فأنت لن تستطيع منذ اللحظة أن تعربد وتقتل مثلما شئت، من دون حساب وعقاب وتصدٍ يصل حد الموت؟

منذ اليوم، علينا أن نحافظ على هذا العنوان«لئلا ننسى»، ولكن علينا أن نوظف الذاكرة في الاتجاه الصحيح،لا في اتجاه الندب والعويل والتأسي.    

   damra1953@yahoo.com

طباعة