دم غزة

زياد العناني

 

zلا أحد يدري كيف يمكن لأي واحد منا أن يقول بثقة تامة بأننا أمة لها فكرها وحضارتها، ونحن ننام منذ قرون في غبار الثنائيات المعوقة.

ثنائيات كثيرة تقف بيننا وبين مسألة التعامل مع قضايانا الداخلية والخارجية على حد سواء. ثنائيات دينية وثنائيات معتدلة وثنائيات ممانعة وثنائيات أخرى لا هم لها سوى أن تسوق الجمع وراء نظام عربي مكتهل لا يستطيع تقديم رؤية لماهية المشروع السياسي الذي ينتمي إليه، ويخاف من كل مشروع فكري يمكن أن يزاحمه ويصير شريكاً حيوياً في مصالحه المتعددة.

ماذا نفعل؟ وإلى أين نذهب؟ ونحن مجرد أفواه لا حول لها ولا قوة، تصرخ وتهتف وراء اليافطات أو خلفها وهي تحاول جاهدة الإبقاء على الوضع القائم خوفاً من الآتي؟ ثم ما طبيعة الآتي وقد فشلت كل الأحلام بالتحرر وضاعت مشروعات التنمية وصرنا نساهم بقصد، أو من دون قصد في حماية مصالح القتلة والمستعمرين، ونصمت صمت المقابر عن كل عدوان وكأنه يتم في الفراغ ولا ينهش في لحمنا ولا يشرب من دمنا الخائف على المصالح الفردية.

إلى الآن لم ننهض من أحلامنا ومن كوابيسنا الليلية، ولم نصدق حقيقة اننا نقتل ونسحل وندك دكاً من غير أن نحرك ساكناً أمام الجلاد كي يرضى الغرب، ولا يتهم ردود أفعالنا بالعنف أو الإرهاب، متخيلين أن ما نراه مجرد صور فيلمية وهمية لمعارك تبثها الفضائيات، وقد تم اخراجها وإنتاجها أخيراً في غزة.

هل تحتاج غزة الى معاركنا في الفضائيات؟ وهل تحتاج الى الوساطات الرخوة؟وهل يحتاج الجسد الفلسطيني المقصوف منذ ما يقارب القرن الى الغذاء؟ وهل يحتاج الشهيد الى دواء أو الى عربة اسعاف؟ وهل قدر لنا أن نسقط دائماً في فخ بعض المناورات السياسية التي يعجبها أن تبعث بالطحين الى عائلة فلسطينية استشهد جميع افرادها دفعة واحدة، وبقي الطحين إرثاً عزيزاً للعائلة التي ستفارق الحياة بعدها.

لن نقول أين النظام العربي؟ ولن نراجع هامشيته أو موته! لن نصوع مرثية في أزمة وجود النوع الذي ينتمي اليها مع بعض الاستثناءات القليلة وكل ما نود أن نقوله هو إن الأعداء الآن لا يضربون الجزء الميت منا، بل الجزء الحي وإن ضرب هذا الجزء الحي سيزيده قدرة على تحمل الألم بصرامة متزايدة.

أما أنت يا غزة المجد فما من سبيل أمامك سوى الصمود الذي يتعذر تغييره أو نسخه أوحتى تسجيله باسم الباحثين عن وظيفة وطنية، أو صفة تستثمر الدم والسلام في زمن باتت العورة فيه تظهر كاملة.

ها هي عوراتنا تظهر واضحة تماماً مثلما يظهر دمك في ترابط ديناميكي تقشعر له الأبدان، ولكن الدم يبقى علامة على الرفض والقوة أما العورة فليس من علامة لها سوى الفضيحة التي لا تدل على شيء كما تدل على سمة القبول بمعنى الاغتصاب.

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة