من المجالس

عادل محمد الراشد

أهل غزة لا يريدون قمة عربية تصدر مواقف صوتية لا تسمن شبعان ولا تغني جائعاً. ويتمنون لو أن مصاريف المؤتمرات والاجتماعات تتجه إلى دعم صمودهم وسد حاجاتهم من خبز ودواء وماء نظيف. أهل غزة غير معنيين بقرارات دولية يسيح حبرها على صحائفها قبل أن تصل كلماتها، وتنتهكها «إسرائيل» تحدياً لإرادة كل من وافق عليها، فترفع أرقام ضحايا آلتها الغاشمة، وتوسع رقعة دمارها، وتؤكد بعدها الانتقال إلى مرحلة ثالثة ورابعة من عدوانها. أهل غزة لايطالبون بمساواتهم بسكان تل أبيب وسديروت وكريات أربع، ولم يطلبوا مساواة مدنهم وشوارعهم وأحيائهم ومدارسهم ومستشفياتهم بمثيلاتها في كريات شمونة وبئر السبع ويافا، لأنهم لايجهلون العنصرية التي تسكن ثقافة الصهاينة، ولا يخطئون الظن بمن استولى على أراضيهم واغتصب وطنهم وولغ في دمائهم وصادر معنى الحياة من نفوس صغارهم.

أهل غزة يريدون عالماً خالياً من النفاق، ومجتمعاً دولياً يحترم قراراته، وقانوناً دولياً لا يكون تحت أقدام الإسرائيليين ولا يكون الإسرائيليون فوق نصوصه.

أهل غزة يريدون أن يضمّهم النظام العالمي إلى قوائم البشر، وأن تلحقهم قوانين الدنيا إلى أي من المخلوقات التي ينطبق عليها مفهوم الرفق والرحمة، وأن يضاف أطفالهم إلى قوائم المكتفين بالرعاية والحاصلين على العناية.

أهل غزة لا يريدون أن تكتظ أرضهم بالسلاح، ولكنهم أيضاً لا يقبلون بأن تملأ مخازن الإسرائيليين بأعتى أنواع السلاح وأقساها.

أهل غزة، وأهل فلسطين كلهم، لم يخترعوا مفهوم المقاومة، ولم يختاروا أن يرسلوا شبابهم وشيبهم إلى ساحات القتل وميادين اليأس، وكانوا، ولا يزالون، يتمنون كسائر شعوب الأرض أن يعيشوا بسلام، وأن يتجه الشباب إلى المدارس والجامعات والمعامل، وأن يخرج الأطفال إلى الحدائق، فتنام أعين الأمهات قريرة.

ولكن «العالم» هو الذي أراد لهذا الشعب أن يكون كبش فداء الطمع، وضحية الجشع، وعنوان الظلم. فماذا أمام هذا الشعب غير اختيار البقاء وقوفاً، وإن كان الموت هو المصير المحتوم؟

 

adel.m.alrashed@gmail.com

طباعة