5 دقائق

صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، أغنى الكتاب عن المجاملات، فله من الإنجازات ما لو وضعت بأسفار لناء بحملها أولو القوة، وحديثها عن نفسها أبلغ من تعبير الكتاب والأدباء مهما كانت فصاحتها وبلاغتها.

وهناك زاوية مشرقة من شخصية هذا الرجل إنها الحكمة التي هي منة من الله تعالى يمن بها على من يشاء من عباده، كما قال سبحانه: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}، وقد فسرت الحكمة بالعلم النافع، والعمل الصالح، والعلم النافع هو ما ينفع الناس في الأرض وعلى الله يوم العرض، وتكون مكتسبة أو موهوبة، ويوم أن سمعت صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وهو يبارك للقيادة الأميركية الجديدة وصولها إلى سدة الرئاسة، ويندبها لأن تتحلى بالحكمة في معالجة الأزمات والابتعاد عن القوة، أنطقه الله تعالى بحكمة ذهبية قال فيها: «إن الأزمات لا تحل بالقوة، بل بالعدل والحكمة»، فعلمت أن هذا الرجل موهوب وموفق، فما الذي دعاه لأن يقول هذا القول لأقوى القوى البشرية في المعمورة؟ ما حمله على ذلك إلا النصح وحب الخير للغير، وذلك لما فطر عليه من صدق في القول والفعل، وشجاعة في الكلمة والإقدام، وبعد النظر السديد، والاستفادة من تجارب الآخرين، ناهيك عن الحنكة السياسية والمعرفية، فيا ترى ما هو البعد الذي تدل عليه هذه العبارة؟

إن العالم قد جرب الهيمنة العسكرية فلم يرَ أنها حققت الاستقرار، بل مزيداً من الدمار، مهما طال الاستعمار، وكثيراً من العناء للأبرياء، نعم قد يحقق الانتصار العسكري نوعاً من التشفي، لكن لا يكسب الأمن والاطمئنان، ولا الود والحنان، وقديماً قال الشاعر:

فَقد يَنبُتُ المَرعى على دَمِن الثّرى وتَبقَى حزازات النفوس كما هيا

ثم ماذا يكون من هذه الحزازات؟ لا يكون إلا شر مستطير، وبؤس غير قصير، فلو أن هذه الحكمة وصلت إلى الآذان الواعية من الساسة الموجه إليهم الكلام، واتخذوا منها منهجاً لتعاملهم مع أزمات العالم التي صنعوها؛ لعاشت الأمم بخير ومحبة ووئام، فإن العنف لا يولد إلا عنفاً مضاداً، وكما تقول القاعدة الفيزيائية: «لكل قوة فعل قوة رد فعل تساوي له في المقدار وتعاكس له في الاتجاه» وهكذا يضل العالم في دوامة العنف الذي لا ينتهي، فلماذا كل هذا ونحن في غنى عنه إذا انتهجت الأمم الحكمة في تعاملها فيما بينها؟ فإنه «ما كان الرفق في شيء قط إلا زانه، ولا عزل عنه إلا شانه»، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقال: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه». إن مثل هذه الحكمة البالغة التي صدرت عنه حفظه الله وزاده توفيقاً تعبر عن رؤية ثاقبة للتعامل مع الأزمات التي يراها في عالم اليوم، وما قرأه عن عالم الأمس، فما أحوج الشعوب والأمم للتحلي بها لتعيش سعيدة رغيدة كما تعيشه دولة الإمارات التي تعاملت مع الأزمات التي لا تخلو منها أمة أو دولة بمثل هذه العقلية الفذة، والبصيرة النيرة، فاستطاعت أن تحقق لشعبها وبلدها ما لم تحققه أكبر الدول حجماً وأكثرها شعباً وثراء. اللهم فزد وبارك وسدد وأيّد واحفظ وأنعم وأكرم.

 

كبير مفتين مدير دار الإفتاء في دبي

طباعة