أقول لكم

محمد يوسف

ترجّل الفارس، رحل بعد معاناة، ولكنه سيبقى اسماً محفوراً في ذاكرة هذا الوطن وناسه، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، فهو آخر الفرسان الموقّعين على وثيقة الاتحاد في الثاني من ديسمبر من عام 1971م، يوم التقت الإرادة وانطلقت المسيرة بقيادة الرمز والفخر زايد، ومعه راشد بن سعيد وإخوانهما، وستبقى تلك الصورة عالقة في الأذهان جيلاً بعد جيل، يوم رفع العلم الجديد وأعلن اسم الدولة الجديدة، وبزغت في سماء الدنيا دولة طاولت كل دول العالم الجديد والقديم، وقدمت المفهوم الحديث للحضارة والنمو والتطور والاجتماع عند الرأي الواحد بديلاً للآراء المتنافرة.

رحل راشد بن أحمد المعلا الإنسان الصادق في وعده، والوفي في عهده، والقريب من كل الذين عرفوه، والمخلص للرسالة التي حملها بعد والده، المبتسم دوماً، تاركاً خلفه ذكراه العطرة التي لن تغيب، وقد كان لي شيء من هذه الذكرى مع الشيخ الذي ودعناه بالأمس، يوم كان ملازماً لزايد في رحلاته الخارجية، صديقاً أكثر منه عضواً في المجلس الأعلى للاتحاد وحاكماً لإمارة، وقد كانت في شخصيته جاذبية نادرة، قلّ أن تجدها في غيره، تحبه من أول لقاء معه، وتحرص على أن تكون قريباً من مجلسه لتسمعه يتحدث بروح تجمع الجد باللطافة، ولا تبخل بالطرافة، وهو يجعلك تشعر في حضرته بأنك صديق قبل أن يحفظ اسمك، ولا يدّعي المعرفة، ولكنه إذا تحدث أسر من معه، واسع الاطلاع، يعرف كل صغيرة وكبيرة، وقد يناقشك في أمور يتداولها الناس في ما بينهم، وتستغرب كيف يكون الحاكم ملمّاً بالتفاصيل، ولا يشعرك في لحظة بأنه مختلف، لأنه متواضع، والمتواضع ينزل إلى الناس ولا يطلب منهم أن يصعدوا إليه، ولهذا يسألك عن صحتك قبل أن تسأله، ويطمئن على أحوالك دون أن ينتظر اطمئنانك عليه، وإن كنت متحفظاً في مجلسه أجبرك بحميمية نادرة أن تزيل تحفظك، ولهذا أحبّه زايد طيّب الله ثراه.

نعزّي وطننا، ونعزّي قيادتنا، ونعزّي خلفه الصالح بإذن الله، ونعزّي أنفسنا، فالراحل حمل الراية 37 عاماً، وترجّل بعد أن سلّمها راضياً مرضياً لمن سيواصلون المسيرة وهم ينظرون إلى ما خلف الجيل الأول من القيادة من مبادئ راسخة ومواقف تسجّل في صفحات التاريخ الناصعة، ولنترحّم جميعاً على الشيخ راشد بن أحمد المعلاّ ونطلب من العلي القدير أن يجزيه عنا الخير والمقام المبارك.

طباعة