"السياحة السوداء".. فسحة لمحبي الإثارة بين الكوارث النووية وسجون الاعتقال

تثير صور الشواطئ العريضة التي تلتقي مع سماء صافية ومحيطات زرقاء دافعا لدى أي شخص لقضاء إجازة قصيرة ينعم فيها بالاسترخاء بعيدا عن ضوضاء المدن وتوتر العمل، فيما تعبث الحضارات القديمة المتمثلة بالقلاع والحصون والأماكن الأثرية بفضول الإنسان، ليحجز تذكرة طائرة إلى هذا المكان لاستكشافه ومعرفة أصله وفصله، ولا يختلف اثنان على وقع نزهة في قلب الطبيعة في النفس فهنا راحة البال والهدوء، وهذا ما يدفع الناس للسفر والسياحة عادة، فمهما اختلفت طبيعة الوجهات تلتقي جميعها في نفس الهدف وهو الرفاهية والسعادة، من ناحية أخرى، تترجم السعادة في السياحة السوداء بأماكن ارتبطت بالموت، شهدت الدمار، والكوارث والمعاناة، وقد تشمل زيارة كنائس مزينة بالعظام البشرية، ومنازل القتلة المتسلسلين ومواقع الهجمات الإرهابية والكوارث النووية.


لا تعد السياحة السوداء ظاهرة جديدة، كما تحظى بشعبية كبيرة مدفوعة بالرغبة في الاستكشاف والمعرفة، حيث سجل نصب 9/11 التذكاري ممثلا انهيار برجي التجارة العالميين في جراوند زيرو في نيويورك 4.5 مليون زائر في عامه الأول من التشغيل وحده، كما شهد موقع كارثة محطة تشيرنوبيل لتوليد الطاقة، وهي أسوأ كارثة مفاعل نووي في العالم من صنع الإنسان على كوكبنا، زيادة في أعداد الزائرين بمقدار 6 أضعاف منذ عام 2012.

الفضول.. وأسباب "منطقية" أخرى وراء السياحة السوداء

يشكل الفضول العامل الأبرز للسياحة السوداء، إلا أن علماء النفس يعتقدون أنها نقطة اهتمام لدى الجميع دون استثناء، محرضها الأساسي التاريخ والإنسانية، حيث اجمع زوار السياحة السوداء لمتحف الإبادة الجماعية الموجود في رواندا مثلا، أن زيارتهم للمعلم جعلتهم يشعرون بالسعادة أنهم لم يتعرضوا لمثل هذه الأحداث، فيما وجد زوار المقابر الجماعية أن سبب زيارتهم كان لإظهار الاحترام والتقدير لأولئك الذين قضوا فيها، بينما يجد العلماء أن زيارة مواقع أشد المعارك دموية كتلك المتواجدة في كولودين باسكتلندا يعود لأهمية الحدث تاريخيا وليس كونه موقع كارثة إنسانية.

من جهة أخرى قد تكون أسباب السياحة السوداء لمشاهدة ما يمكن أن تقدم عليه النفس البشرية من قتل ووحشية وعواقب ذلك الأمر ونتائجه، كزيارة منزل أشهر تجار المخدرات وأحد أكثر المجرمين دموية الكولومبي بابلو إسكوبار.

ويعتقد أن السياحة السوداء أو "المظلمة" تجربة مفيدة لأولئك الذين يقومون بها للأسباب الصحيحة، فمعظم محبي هذا النوع من السياحة مدفوعون في المقام الأول برغبة في تحسين فهمهم للتاريخ الماضي والمعاصر، بأحداثه وناسه.

كما أن معظم زوار مواقع السياحة السوداء يذهبون إلى تلك الأماكن لأنهم يجدونها مثيرة للاهتمام، والكثير منهم يأتون لتعلم شيء ما، أو لمحاولة فهم شيء كئيب ومثير للقلق يصعب التعامل معه، وقد يعلق البعض المزيد من العمق الفلسفي عليه.

سياحة الكوارث والموت

تتعدد أنواع السياحة السوداء، فقد تكون سياحة سوداء لمواقع الكوارث كأولئك الذين يزورون جنوب شرق آسيا بعد أزمة تسونامي 2004، أو الأشخاص الذين يسافرون إلى نيو أورليانز لرؤية تأثيرات إعصار كاترينا، فيما تسمى الجولات التي تستهدف زيارة المناطق والأحياء الفقيرة بسياحة الفقر السوداء.

وهناك السياحة السوداء الانتحارية التي تقسم إلى نوعين، الأول ينطوي على السفر إلى وجهة معينة بنية الانتحار، وغالبا ما يكون ذلك من خلال القفز من معلم مشهور، وتثبت الإحصاءات أن نسبة كبيرة من حالات الانتحار في مناطق الجذب السياحي المعروفة هي من السياح، رغم أنه ليس من الواضح ما إذا كانت رحلتهم قد تم التخطيط لها للقيام بذلك أو قرروا القيام بذلك بعد الزيارة.

ويأخذ الشكل الثاني للسياحة الانتحارية السوداء "القتل الرحيم"، فهناك العديد من الدول الأوروبية مثل بلجيكا وهولندا وسويسرا، التي ينشط فيها القتل الرحيم بشكل قانوني، ويسافر الأشخاص المصابون بمرض عضال في بعض الأحيان لإنهاء حياتهم بشكل قانوني.

أبرز مواقع السياحة السوداء:


كارثة تشيرنوبل، أوكرانيا

تصنف عالميا كأسوأ كارثة للتسرب الإشعاعي والتلوث البيئي شهدتها البشرية حتى الآن وصنفت ككارثة نووية من الدرجة السابعة، وقعت الكارثة في 26 أبريل 1986 في القسم الرابع من مفاعل محطة تشرنوبل بالقرب من مدينة بريبيات في أوكرانيا وحدثت الكارثة عند إجراء الخبراء بالمحطة تجربة لاختبار أثر انقطاع الكهرباء عليها، وأدى خطأ في التشغيل بعد إغلاق توربينات المياه المستخدمة في تبريد اليورانيوم المستخدم وتوليد الكهرباء إلى ارتفاع حرارة اليورانيوم بالمفاعل الرابع إلى درجة الاشتعال.

لقي 36 شخصا مصرعهم وأصيب أكثر من 2000 شخص، وأدى إغلاق المصانع وتعطل المزارع نتيجة الخسارة لخسائر المادية قيمتها أكثر من ثلاثة مليارات دولار أميركي، وبعد حدوث الانفجار بدأت عمليات دفن وتغليف المفاعل بالخرسانة المسلحة لمنع تسرب الإشعاع الناجم عنه والذي أدى إلى وفاة عدد كبير في السنوات اللاحقة متأثرين بالإشعاع وخاصة أمراض سرطان الغدة الدرقية.

غابة الانتحار "أوكيغاهارا"، اليابان

وتسمى بحر الأشجار أيضا، تقع في الشمال الغربي لجبل "فوجي"، أصبحت أكثر الوجهات شهرة للانتحار في العالم، وهي من الوجهات الأساسية في السياحة السوداء، وتقدر نسبة المنتحرين في الغابة بـ 100 شخص سنويا، منذ عام 2000، ويعد أسلوب الشنق على الأشجار اكثر الطرق استخداماً للانتحار ثم التسمم، أو عن طريق جرعة زائدة من المخدرات والعقاقير، وتجذب الغابة محبي السياحة السوداء حول العالم، حيث يصادف الزوار في أحيان كثيرة بقايا هياكل عظمية بشرية، أو حبال الشنق التي يستخدمها المنتحرون أو بعض  متعلقاتهم.

وعقب ارتفاع معدلات الانتحار بالغابة، وضعت حكومة اليابان كاميرات لمراقبة مداخل الغابة كما وفرت عناصر شرطية أكثر لمحاولة ضبط الظاهرة، وعلقت لافتات بين ممرات الغابة تقول "فكِّر جيدًا بأطفالك وعائلتك".

متحف تول سلينج للإبادة الجماعية، كمبوديا

استخدم الخمير الحمر وهم جماعة الحزب السياسي الحاكم في كمبوديا آنذاك، مدرسة ثانوية سابقة، كسجن سمي "سي 21" الشهير في السبعينيات، ويمكن للزائرين المشي عبر زنزانات لا تزال تحتوي على كراسي وأسرّة صدئة حيث تم تعذيب وقتل ما يصل إلى 20 ألف سجين.

أوشفيتز بيركيناو، بولندا

معسكر الاعتقال والإبادة حيث قُتل حوالي مليون يهودي أوروبي من النازيين، وكل عام يزور الموقع أكثر من مليون شخص للاطلاع على أحداث المحرقة والتعرف عليها.

متحف سجن جزيرة روبن، جنوب أفريقيا

لأكثر من ثلاثة قرون، كانت جزيرة روبن، قبالة ساحل كيب تاون، تستخدم لاحتجاز السجناء السياسيين.، حيث تم سجن نيلسون مانديلا لمدة 18 عاما من أصل 27 عاما قضاها خلف القضبان، ويعتبر الموقع الآن رمزا للانتصار على القمع والعنصرية.

طباعة