جِراحة في الأمعاء "تُغيِر مَجرى حياة" راكب أمواجٍ إماراتيّ

انفتح عالمٌ جديد مِلؤه الأمل والتفاؤل أمام ناظرَي الرياضي الإماراتي،المتفائلبالوصول للأولمبيادمحمد حسن، بعدما أُجريت له جراحةٌ لاستئصال القولون، في مستشفى"كليفلاند كلينك أبوظبي"، جزء من مبادلة للرعاية الصحية، ليكون ذلك علاجاً لمرض التهاب القولون التَقَرُّحِي الذي أصيب به. 

ويبلغُ الرياضيُّ المحترف راكب الأمواج من العمر 33 عاماً. وبعد استئصال قولونه، يتخلصُ من الفضلات الغير سائلة، عبر فتحة في جدار بطنه، تتصل بجيب لا يُنْفِذ الماء، يسَمَّى جِرَاب الفَغْر (كيس الفغر). وحين يمتلىء هذا الجراب، يُفْصله، ثم يُفْرغه في دورة المياه. أثناء تعافيه ، كان محمد حريصًا على إعادة بناء قوته وثقته ليُظهر للعالم أنه لا يزال بإمكانه أن يعيش حياة نشطة. شارك في تحدي دبي للياقة2020، حيث لعب ثلاثين رياضة مختلفة في ثلاثين يومًا ليثبت أن كيس فغره لن يمنعه ​​منمسيرتهالرياضية. 

يقول محمد: "في نظري، كانت الأشهر القليلة الماضية، دوَّامةً سريعة التغيرِ والتقلبِ. حين سمعت للمرة الأولى أنني أحتاج لجراحة، ظننت أنني سأتوقف عن ممارسة الرياضة. أما الآن، فأريد أن أوضح للناس أنكم تستطيعون أن تلتحقوا بكثير من الرياضات، بغض النظر عن مستوى قدراتكم. لقد لعبت الهوكي تحت الماء والغولف وحتى ذهبت للغطس الحُرّ. مهما كان الأمر، يمكنكم ممارسة أي رياضة تريدونها - حتى باستخدام الفغر".

كان محمدٌ لاعباً رياضياً في معظم سنَوات حياته، وقد شَخَّصَ الأطباءُ حالتَه، منذ خمس عشرة سنة، على أنها التهابٌ تَقَرُّحِيٌّ بالقولون. وقد بدأ محمدٌ حياته الرياضية، لاعباً في نادي دبي لكرة القدم، قبل التحول للعب رياضة الرجبي، حيث انضم إلى منتخب دولة الإمارات العربية المتحدة للرجبيومَثَّلَ الدولة في سُبَاعِيَّات الرجبي غير أن ظروفه الصحية، مع مرض القولون التَّقَرُّحِي، أجبرته على ترك الرياضة التي شَغِفَ بها، ووجد نفسه يمضي في طريق جديد، ومختلف تماماً. 

فقد كانت حالته مرضاً مزمناً، تضمن التهاباً بالأمعاء الغليظة، وهي حالةٌ مرضيةٌ، من أشهر أعراضها آلامٌ في البطن، وإسهال متكرر، أو إسهالٌ يخالطه دم، مع نقص الوزن، وفقدان الشهية. والكثير من المرضى يستطيعون التحكم في حالتهم الصحية بتناول الأدوية. غير أن الأدوية، في حالة محمد، لم تنجح في تقليل الأعراض، برغم أنه قد تردد على أطباء من شتى بقاع الأرض. 

يقول محمد: "كنتُ أعاني كثيراً. لم يكن التهاب القولون لديّ تحت السيطرة على الإطلاق، إذ كنت أتردد على دورة المياه من 15 إلى 20 مرة في اليوم. اضطررت للتوقف عن رياضة الرجبي، لأنني، أثناء اللعب، كنت أضطر لمغادرة الملعب، بما قد يعرض فريقي للهزيمة، أثناء المباريات. كانت ظروفي الصحية تتحكم في حياتي بشكل كبير، وكان عليَّ أن أُخطط لكل ما أفعله في حياتي، حول وجود دورة مياه قريبة مني. هذا، بخلاف أشياء أخرى كثيرة لم أكن أستطيع أن أفعلها."

بعد الخروج من عالم رياضة الرجبي، وجد محمد شغفاً جديداً، وهو رياضة ركوب الأمواج. فجابَ محمد شتى أنحاء العالم، منافساً في الرابطة العالمية لركوب الأمواج؛ ثم عاد مؤخراً إلى الإمارات العربية المتحدة، وعينُه على تمثيل بلده، في ألعاب طوكيو. إلا أن صديقاً، من أصدقاء محمد، يعاني من التهاب القولون التَقَرُّحِي، اقترح عليه أن يزور مستشفى "كليفلاند كلينك أبوظبي" كي يتعالج من حالته. 

عندمازار محمد المستشفى، أوصى فريقُ الرعاية الطبية الذي تعامل مع حالته بفحص القولون بالمنظار (تنظير القولون) لمعاينة قولونه، بحثاً عن أية دلائل لإصابته بالسرطان. ويكون المصابون بمرض التهاب القولون التَقَرُّحِي أكثر عرضةً لخطر الإصابة بالمرض، لا سِيَّمَا إذ لم تكن حالتهم تحت السيطرة. 

يقول الدكتور زاهر كتبي، استشاري متخصص في أمراض الكبد والجهاز الهضمي، في مستشفى "كليفلاند كلينك أبوظبي": كما هو المعتادأثناء المتابعة الدورية لحالة مريض من المرضى المصابين بالتهاب القولون التقرّحي، كشف تنظير القولون لدى محمد عن وجود خلايا في مراحل ما قبل الإصابة بالسرطان. ثم بعد معاينة النتائج، ناقشنا حالة محمد، ضمن اجتماع فريق طبي متعدد التخصصات، ضم جَرَّاحين، واخصائيين في علم الأمراض، وزملاء من تخصصات أخرى، لاستعراض كل خيارات العلاج المحتملة لهذه الحالة. وأثناء الاجتماع، تقرر إحالة الحالة إلى استئصال القولون بشكل كامل. فهذا الاستئصالسيكون علاجاً ناجعاً لالتهاب القولون، وتخلصاً نهائياً من أعراضه، إضافةً إلى إيقاف السرطان، فلا يستشري في بقية مساراته." 

وبعد الجراحة، جاء فريق الرعاية الطبية المكلف بمتابعة حالة محمد، وبين له كيف يعتني بالفُغرة التي في بطنه، وكيفة استخدام كيس الفغر والاعتناء به، إلى أن يشفى، ويتعافى. ويخطط الأطباء الآن لإجراء جراحتين أخريين لمحمد لاستعادة وظائف أمعائه، وذلك بتركيب جيب معقوفعلى شكل الحرف (j)، يوضع مكان المستقيم، يَصِل الأمعاء الدقيقة بالشرج، تتجمع فيه الفضلات قبل التخلص منها، وبهذا لن يكون محمد في حاجة إلى الفُغْرَة، ولا إلى جيب الفَغْر، فيستطيع، حينئذٍ، أن يعود إلى استخدام المرحاض، بصورة طبيعية، مرة أخرى. 

يقول الدكتور شفيق صيداني، جَرَّاح القولون والمستقيم الذي أجرى الجراحة، في مستشفى "كليفلاند كلينك أبوظبي": "لقد أجرينا له تلك العملية بأقلِ درجةٍ من درجات التدخل الجراحي، ولهذا السبب استطاع محمد أن يَخرُج من إقامته بالمستشفى، ويعود لحياته سريعاً. ثم تلا ذلك أن سمعنا منه أنه سيشارك في هذا التحدي الرياضي. وهذا أمر رائع جداً؛ فالمرضى عادةً ما يكونون مترددين، وغير راغبين في إجراءجراحة الفُغْرَة، أما هنا، في حالة محمد، فهو يُثبت أنك تستطيع أن تعيش حياتك المعتادة، حتى مع جراحة الفُغْرَة؛ ليس هذا وحسب، بل يسعى لتخطي العوائق التي تحول بينه وبين ممارسةالرياضة التي يحبها. هذا أَمْر مُلْهِم."

لقد وجد محمد، منذ الجراحة، معنىً جديداً للحرية. فهو لم يعد مضطراً لترتيب أمور حياته بحسب توافر دورات مياه قريبة منه، أو لا. لقد صار للمرة الأولى يستطيع أن يفعل أشياءَ يعتبرها الكثير من الناس، أمراً مسلَّماًبه. 

يقول محمد: "بصراحة، أتمنّى لو أجريت هذه الجراحة منذ وقتٍ طويلٍ. فقد تغيرت حياتي بالكامل إلى الأفضل. نعم، عليَّ أن أتأقلم الآن مع حياةٍ، يلازمني فيهاجيب، أينما توجهت، لكني أستطيع الآن كذلك أن أفعل أشياء كثيرة، لم أكن أستطيع أن أفعلها بالماضي. وأنا الآن، أتناول القهوة، حين أخرج لأتمشى، بل إنني قد أخرج في جولة طويلة بالدراجة، وقد أذهب متجولاً في نزهة سيراً على الأقدام أيضاً. لم أفعل هذه الأشياء من قبل لأنني كنت مضطراً للبقاء قريباً من دورة المياه. لقد كنت عاطفيّاً للغاية مع هذه الحرّية التي أصبحتُ أعيشُها." 

ومحمد، إذ يتعافى الآن من جراحته، يخطط لعودته لرياضة ركوب الأمواج، واستكمال دَربه، نحو أولمبياد طوكيو. ومع اعتياد محمد على أن يتعايش مع جراحة الفُغْرَة، إلا أنه حريص على أن يبذل أقصى ما في جهده ليعيد بناء قوته، ويستعيد ثقته في نفسه. ستأتي فرصته التالية في مسابقة ركوب الأمواج الدولية في أمريكا الجنوبية.

ثم يختم محمد كلامه قائلاً: "من وقت ليس ببعيد، كنت أرْكَبُأمواجاً بارتفاع 55 قدماً، في البرتغال. والآن، أنا ألعب  رياضة هوكي الجليد هنا، وأمارس رياضة الغوص، لا لشيء إلا لأرى كيف تسير ظروفي الآن مع جِرَاحَة الفُغْرَة. لم يكن التكيف مع جيب الفغرة أمرًا سهلاً، لكنني تمكنت من العودة إلى ركوب الأمواج. كنت متردداً في القيام بذلك، لما بي من جِرَاحَة الفُغْرَة، لكني الان أريد أن أدفع نفسي للمرحلة الاصعب من ركوب الأمواج بعد إجراء العملية. لقد حققت ارتفاع ال 55 قدماً وأسعى للمزيد. الآن، ارتفاع الموج في الإمارات منخفضإلى حده الأدنى، لكنني أريد أن أكون جاهزاً عندما تضرب الأمواج القويّة."

طباعة