لابد من قناع

ياسر الأحمد

 

 يحضر الشاعر«المقنع الكندي» في الأدب العربي مقنعاً قبل أن يحضر شاعراً، وهو الذي كان يضع القناع ليخفي جماله الحاضر عن لصوصية الأعين.وهدف الإخفاء معاكس تماماً لهدف النسوة اللاتي يضعن أقنعة التجميل ليظهرن جمالهن الغائب. بهذا تبرز أمامنا جدلية طريفة أبطالها: القناع والحضور والغياب. وهي جدلية غائرة في القدم، فالأقنعة بدأت كنوع من أنواع السحر المرتبط بالسيطرة والخوف ودفع الشر، وكانت تصنع وتروج سراً ثم تستعمل لإظهار الأرواح المختفية، وهنا يبرز الغياب كمرادف للقناع، فهو طقس سريّ يمارس بكل خفية عن الأعين الفضولية وينحصر في عدد قليل من الأشخاص، وهو بذلك يتقاطع مع دور الستر في بعض المذاهب  الإسلامية، فكأن القناع ودور الستر رمزان للسري والمقدس والنفسي المسيطر أو المخيف بحسب فرويد.

 

لكن جانباً آخر من استعمالات القناع يبرز عندما يحضر المسرح والتمثيل، فالقناع كان طقساً ملازماً للاحتفالات الدينية ومظاهر الفرح عامة، وارتبط أحياناً بالسخرية، فكانت بعض الشخصيات في المجتمع البدائي تنتقد عبر الأقنعة فيما يشبه فن الكاريكاتير حديثاً، وهذا النمط من الأقنعة الإفريقية غالباً صار موجوداً بقوة في الفن التشكيلي الغربي بعد فترة الحروب العالمية،حتى أن بعض النقاد رأى أن إفريقيا أنقذت الفن الغربي من الوقوع في العدمية بما تفجره من أعماق وأحلام وبدائية في نفس الإنسان.

 

واستعمال الأقنعة كان موجوداً في أعمال أدبية مهمة مثل الإلياذة، فملك إيثاكا يلبس قناع فلاح بسيط ويقول ساخراً «أزرع ملحاً وأحصد سمكاً.. ها ها.. لا لا، سأحصد باذنجانا»، وهذا الجانب المسرحي أهم الجوانب التي انتقلت إلى العصر الحديث عندما استعمله مسرحيو الغرب، فالتمثيل هو تقنع خارجي، ولكنه تحول داخلي في الوقت ذاته، فالممثل يمر بتحولات الشخصية التي يلبس قناعها وتصبح حفلته التنكرية مائدة عامرة لشهواته في التقمص، وهنا يبرز  الحضور  بديلاً عن الغياب الطقوسي، ويصبح التحول فعلاً علنياً محتفىً به وبجمهوره، بعد أن كانت التحولات والطقوس والأقنعة رموزاً خفية للسيطرة الغيبية.

 

والشعر العربي أيضاً يحفل بالأقنعة الأسطورية والتاريخية، ولعل أهم الأقنعة الحاضرة كان قناع مهيار الدمشقي الذي تقمّصه أدونيس ليكون قناعاً آخر بعد قناع الاسم الذي اشتهر به. وهو استخدم قناعاً ثانياً لشخصية تاريخية في قصيدته تحولات الصقر، بحيث يظهر الشاعر واقفاً وراء قناعه مرسلاً عبره رسائله الشعرية، فمن صقر قريش الأموي استعار المغامرة والثورة والأمل، مهملاً العنف والقتل والدم الذي مارسه أثناء تأسيسه دولته الأندلسية، ومن مهيار الديلمي استعار الغربة، فمهيار التاريخي شاعر فارسي أسلم ولكنه استمر مفتخراً بأجداده الفرس في الوقت نفسه، وأدونيس يستعير تمزقه ليعبر به عن أهوائه ومشكلاته الفكرية. وهو بذلك يجسد ما يسميه بعض النقاد بالقناع التكويني، بحيث يحضر اثنان هما الشاعر والقناع، ثم ينتجان ثالثاً مختلفاً عنهما ومشابهاً لهما في وقت واحد. لكن التقنع لا يقتصر على الفئة المثقفة أو المبدعة، فهو ممارسة اجتماعية دائمة عند غالبية الناس، وكأنهم يحمون أنفسهم من سطوة المجتمع الضاربة بلبس أقنعة ترضي المجتمع، وتخالف قناعاتهم أحياناً.

 

وهنا يعود القناع إلى وظيفته الأولى: الستر والإخفاء والتحول بعد التحول حتى نظن التحول علامتنا الأبرز في المجتمع.

 

ytah76@hotmail.com  

 

طباعة