جماليات الصورة

أحمد السلامي

  
ظلت الوظيفة التقليدية لآلة التصوير الفوتوغرافي محصورة في توثيق الأحداث والأماكن، وتأطير وجوه العائلات وذكرياتها، وأرشفة التاريخ العام والخاص، سواء كان ذلك التوثيق بقصد أو من دون قصد، ونتج عن هذه المرحلة احتفاظ الذاكرة المصورة، بملامح وجوه عباقرة العلم وأساطين الأدب والفكر الذين كنا سنتعب، ونحن نحاول ان نتخيل تقاطيعهم. كما احتفظت ذاكرة الصورة بمحطات مهمة من الماضي القريب بكل أحداثه وفنونه، لهذا السبب نتوقف طويلاً أمام تلك الصور الباهتة المعلقة على جدران المتاحف، لنستمع لوشوشاتها العتيقة التي تحكي لنا عن تاريخ الأماكن وتحولاتها، وعن الحروب القديمة والشخصيات التي كانت ترتدي أزياء غريبة ننظر إليها الآن بتعجب.

 
احتاجت آلة التصوير زمناً طويلاً قبل أن تتجاوز وظيفتها التقليدية، ومثلت الصحافة محطة بارزة في تاريخ الصورة الفوتوغرافية جعلتها تجمع بين الرسالة الإعلامية والوثائقية. لكن المحطة الأهمّ تتجسّد الآن في التعاطي مع حرفة التصوير برؤية فنية خالصة، تتعامل مع الصورة بوصفها لغة حسية عالمية قادرة على مخاطبة الإنسان مهما كانت جنسيته. ومنذ توظيف الصورة الفوتوغرافية في حقل الفنون البصرية، أصبحت عدسة الكاميرا لا تقل أهمية عن ريشة الفنان التشكيلي وخيال الشاعر.

 

على المستوى العربي يلاحظ تزايد اهتمام الفنانين في دول الخليج العربي، بفن التصوير الضوئي، ويوثق مجلس دبي الثقافي لتجارب 16 فناناً إماراتياً، كانوا قد أقاموا معرضاً جماعياً في دبي بعنوان «نافذة». وبتأمل بعض الأعمال الفوتوغرافية المنشورة في دليل المعرض، يلمس المتلقي مدى احتراف الفنان الإماراتي في التعبير عن هواجسه ورؤاه المعاصرة بلغة الضوء.

 


لا يتسع الحيّز للحديث عن تجربة كل فنان على حدة. وبصورة عامة يقدم الفنانون الإماراتيون تجارب لافتة في التصوير الفوتوغرافي، وتشترك هذه التجارب في تحررها من سطوة المشهد البصري الواقعي، مقابل ابتكارها مشاهد فنية تسهم بتراكمها في إذابة الحدود الفاصلة بين الفن الفوتوغرافي والفن التشكيلي.

 

بيقظة عالية وبإحساس رفيع يتحكم الفنان الإماراتي بثلاثية الضوء واللون والحركة، ليس من أجل إظهار جماليات شكلية مجانية في الصورة، بل لإبراز دلالة واضحة ترتبط برؤية الفنان للواقع من حوله، فنجد أعمالاً تستلهم منطق الاتجاه المفاهيمي في الفن المعاصر، ولا تقف هذه التجارب عند حدود اقتناص اللحظة المناسبة للضغط على زر آلة التصوير، بل إن الفنان أصبح يرتب تفاصيل المشهد، ولا يدع للزمن والمصادفة أي دور في اختيار زاوية الصورة ومضمونها.

 

هذا لا يعني أن كل الاعمال الفوتوغرافية في المحترف الإماراتي، تتخذ المنحى المفاهيمي الذي يجعل الصورة تحمل مهمة إبراز موقف ثقافي محدد، فهناك اعمال فوتوغرافية تتكئ على ثنائية الضوء والعتمة، وتستضيف الملمح التجريدي السائد في الفن التشكيلي، بينما تنجز عدسة الفنان محمد أحمد إبراهيم أعمالاً تتخذ من تكوينات الطبيعة محوراً لها، ولم تتطلب منه الصورة استخدام الضوء والظل لإكسابها ملمحا تشكيلياً، وفي الأعمال التي توظف الاهتزاز في المشهد يجد المتلقي أنه يقف أمام لوحات فوتوغرافية تنغمس في شلالات من الألوان المتحركة.

 

slamy77@gmail.com  

طباعة