اضطرابات الذاكرة

د. أحمد الإمام

 
تمر عملية التذكّر بأربع مراحل أساسية، أولاها التعرف الذي يعتمد التحليل الآني للمعلومة المستقبـَلة عبر الحواس الخمس وتستغرق جزأين مئويين من الثانية، تأتي بعد ذلك مهمة الذاكرة اللحظية التي تقوم بإعطاء أثر حسي للمعلومة بالدماغ وتكوّن الحيز الضروري لتحديد مجال المعلومة، ثالثتها عملية الحفظ والتخزين وتجميع المعلومات وترميزها وإنشاء الارتباطات الذهنية، رابعتها وآخرها عملية الاستعادة والاستذكار سواء بالتخيل الذهني الذي يخلق شعوراً بالعيش من جديد ضمن المعلومة نفسها بكل مكوناتها الحسية والعاطفية، أو بالتعرف إلى مكونات المعلومة حين مصادفتها واقعياً كالقدرة على تذكر رموز الأبجدية وقراءتها بعد عملية حفظها السابقة.

 

وتمر سيرورة ضبط المعلومات وتحليلها، وترميزها وتمييز محتوياتها وتدقيق تفاصيلها، وفهم مضامينها عبر مسارات متشابكة وغاية في الدقة، بين مختلف باحات الدماغ وشبكات الخلايا العصبية المركزية؛ حيث تختص الباحات الجبهية بعمليات الاستذكار والاستعادة، بينما تضطلع الباحات الجانبية بمهام الحفظ والتخزين.

 

دور التوازن الكيميائي للنواقل العصبية حيوي، فالأستيلكولين والكاتيكولامين والسيروتونين وكذا المنظمات العصبية كالنوروببتيد والهرمون العصبي المختزل بعبارة كابا، كل ذلك ينسق بدقة إعجازية مختلف العمليات التذكرية والمحافظة على اليقظة والانتباه الذهني.

 

تعاطي المواد المؤثرة في الجهاز العصبي قد يساهم بإحداث خلل عرضي أو الإضرار بشكل مستديم بهذه المنظومة العصبية المتناهية الدقة والحساسية؛ فالمخدرات والكحوليات والتبغ والتعرض لصدمات كهربائية وكذا الإفراط في تناول بعض الأدوية العصبية دون مراقبة طبية قد تنتج عنه إصابات بليغة.

 

أي إصابة عضوية للدماغ بسبب جلطة دماغية تتوقف بها تغذية الخلايا العصبية، أو تعرضها لتلف على إثر حادثة أو ارتجاج بالمخ يصيب مختلف الوظائف العليا للدماغ باضطراب، قد يكون طفيفاً بحيث لا يبرز في نتائح التحاليل والتصوير الطبقي المحوري وبالرنين المغناطيسي؛ لذلك يحتاج المريض إلى فحوصات نفسية عصبية لقياس أنجع للكشف عن أي خلل وظيفي، كالقدرة على التعرف إلى الأشكال والوجوه والقدرة على الترميز وتحليل المخطوط والقدرة على فك التركيبات الصوتية واللغوية والتلفظ والتوجه في المكان والزمان والإنجاز الفعلي لفكرة يتم تطبيقها حركياً، وباقي الوظائف المعقدة.

 

يقوم الدماغ بحفظ وتخزين المعلومات وترتيبها بحسب أولويتها ودرجة أهميتها بالنسبة للشخص، وما يحدد هذه الأهمية هو التفاعل النفسي والعاطفي مع المعلومة حيث يهتم الطفل بإعطاء المكانة الأساسية لصوت والدته وشكلها، فيبدأ بالاهتمام أولياً بكل ما يثيره منها، وتستمر عملية التذكر بتسجيل كل ما يرد على الدماغ وإبراز الأهم منها، وتخزين البقية بحسب وقعها النفسي؛ فتصبح الذاكرة مليئة بالذكريات الإيجابية وقد تنوء لحمل عبء المآسي والآلام لاستحواذها على درجة أهمية عالية.

 

كلما استرجع المرء ذكرياته السلبية، فإنه يعيشها بكل تفاصيلها ويتعايش معها بكل انفعالاته؛ إلا أن قدر هدر الطاقة المبذولة يحد من نشاطه العقلي، لدرجة يحتاج فيها إلى مدة زمنية أكبر للقيام بالمهمة نفسها؛ فينعكس ذلك سلباً على صحته النفسية وينزلق دون رغبة في مزالق الإحباط، ما يزيد الأمر سوءاً بسبب التداخلات النفسية العصبية المرَضية التي تبرز في أعراض التدهور المفاجئ لمعظم المهارات الذهنية، وخصوصاً القدرة على التذكر والتركيز والتردد في اتخاذ القرارات الاعتيادية بسسب فقدان الثقة في الذات.

 

كما أن المبالغة في حشو الدماغ بمعلومات متناثرة ومكدسة تؤدي إلى إرهاق ذهني، كمثل الذي يقبل على أطعمة مختلفة فيطمع في التهامها بكاملها، وباختلاف أصنافها دون تريث وبمبالغة واضحة فيصاب بعسر هضم؛ كذلك الطالب الذي يرهق عقله بطرق دراسة ومراجعة خاطئة تصيبه بإرهاق ذهني حاد.
طباعة