الرحلة الفكرية

ياسر الأحمد


قبل سنوات قرأت السيرة الفكرية والذاتية للروائي اليوناني نيكوس كازنتزاكي،بعنوان: «تقرير إلى غريكو»، وعلى الرغم من أن مترجمها كان الشاعر الراحل ممدوح عدوان، وهو مترجم جيد عادةً، إلا أني لم أستطع متابعة القراءة بالحماسة ذاتها التي بدأت بها، قد تكون الترجمة هي السبب، وقد تكون طريقة السرد المغرقة في التفاصيل الروحانية المسيحية، خصوصاً أن تجربة كازنتزاكي الروائية ليست على وئام مع الكنيسة، فعرض فيلم مقتبس من إحدى رواياته تسبب بحرق دور السينما في أوروبا خلال الستينات، لأنه قدم رؤية مختلفة عن سيرة المسيح.

 

لكنه في عرض رحلته الفكرية يبدو مؤمناً، وحتى راهباً في بعض الأحيان . تبدو الصورة متقاطعة في بعض النقاط بعد قراءة سيرة الدكتور عبدالوهاب المسيري الفكرية، فهو لا يجد غضاضة في الشرح المستفيض لتجربته الماركسية، وللاعتراف بدورها في نظرته إلى العالم، وفي تحليله الأفكار،  حتى بعد أن تخلى عنها مفضلاً عليها الاتجاه الديني، ولربما كان رأيه الإيجابي في التجربة الناصرية ناتجاً من رواسب يسارية مازالت تحركه، حتى إنه يعلن صراحة أنه لا يهتم كثيراً بالطقوس الدينية التقليدية، ولا تبعث داخله جيشاناً عاطفياً كبيراً.

 

 تتميز رحلته الفكرية في هذا الكتاب بلغة سلسة وممتعة فعلاً، حتى مع وجود الاختلاف والرفض لبعض أفكاره، لكن عبارته الرشيقة والمركزة تسهل وصول الفكرة من دون «لف أو دوران»، وهذا ما يهون ضخامة حجم الكتاب، (720 صفحة)، ولعل تخصصه الأساس ناقداً أدبياً جعله قادراً على امتلاك ناصية اللغة بسهولة أكبر.

 

لا يأنف المسيري من رصد تحوّلاته الفكرية، ويقدم أمثلة كثيرة عن تغيّر نظرته لموضوع ما، أو تغير زاوية الرؤية لنص أدبي غربي مثلاً. فهو يروي كيف أوقف إحدى محاضراته في منتصفها لأن فكرةً مختلفة خطرت بباله عن النص الذي يحلله، ليعود في المحاضرة التالية بتفسير مختلف تماماً، بحيث يترك الهاجس الأدبي ليهتم بالهاجس الفكري داخل النص.

 

وهذه الرغبة في التحليل وتقديم ما يسميه «النموذج التفسيري» جعلاه مستغرقاً في دراسة الصهيونية بكل أبعادها، ليقدم لنا في النهاية موسوعته الشهيرة التي ينفي فيها كل الأساطير الرائجة عن سيطرة اليهود على العالم، معتبراً سلوكهم جزءاً صغيراً من صورة غربية استعمارية أكبر.  سيفاجئنا أيضاً اهتمامه بهندسة المعمار، وتقديمه اقتراحات جميلة في هذا المجال، محاولاً الخروج بالبناء من النمط الوظيفي القبيح إلى نمط جمالي ومفيد أيضاً.

 

وهو يرجع ذلك إلى نشأته الثنائية إذا صح التعبير، فوالده تاجر رأسمالي، ووالدته اشتراكية الهوى والممارسة. ليكون الناتج رغبة في السير بعالم الحداثة من دون فقدان الهوية، وهي قضية مركزية في الأزمة العربية العامة.

 

ولأن الاعتراف بالجميل ليس أمراً سائداً، فمما يستحق الاحترام أن يقدم المسيري في سيرته الفكرية التحية الخاصة للكاتب المصري الراحل جمال حمدان، معتبراً إياه أباً فكرياً نوعاً ما، بعد أن كنا سمعنا كثيراً عن قتل الأب كمقياس للإبداع. 
 
طباعة