دولة النساء

ياسر الأحمد


يحكي الروائي الإيطالي امبرتو إيكو في روايته باودولينو عن مكان ما في هذا العالم، حيث تتحكم المرأة بكل ما يحدث، وتكون هي المسيطرة والآمرة الناهية،لكن المفارقة أن الرجال ليسوا من سكان هذا المكان، فهو حكر على المرأة فقط.

 

خطر ببالي هذا الجزء من الرواية وأنا أتصفح العدد الأخير من مجلة «حقول» الصادرة عن النادي الأدبي بالرياض، يخصص العدد للحديث عن المرأة وثقافة الجزيرة العربية، وموضوعه الأول عن «دولة النساء المؤقتة»، ولدت هذه الدولة نتيجة إكراه عسكري، أو ذكوري إذا أردنا أن نستخدم المصطلح النسوي السائد، فبعد احتلال الكويت عام 1990 قامت المرأة بنشاطات كثيرة، لحماية المجتمع ولمحاولة الإمساك ببعض رموز السيادة، لكن اختيار مجمل النساء العباءة التقليدية كرمز سيادي يثير التساؤل فعلاً. فناشطات تلك الفترة يخبرننا بأنهن اخترن العباءة لأسباب «تقنية» تتعلق بسهولة التحرك والاختفاء، لكنهن أيضاً اعتبرنها رمزاً للهوية المحلية في وجه الطمس الخارجي. والنتيجة أن المرأة شاركت بنشاط واضح في تحرير بلادها، دون أن تتمكن من تحرير مفهوم قصورها الطبيعي.

 

ولأن للمصادفة حيزاً تتحرك فيه باستمرار،فقد عرفت بنتائج الانتخابات الأخيرة في الكويت وأنا أتصفح ذات المقالة. بالطبع لم تفز أيٌ من النساء المترشحات. رغم أن المرأة أُنتخبت، لكنها اختارت ترسيخ ابتعادها كما يبدو.

 

يدور كلام كثير حول حقوق المرأة في الجزيرة العربية، ومدى مشاركتها في الاقتصاد والثقافة والمجتمع، لكن الواقع أن المرأة تسهم عبر طرق كثيرة في ترسيخ واقعها وشرعنته، عبر الانتخاب في الكويت مثلاً، أو عبر كتابات سردية في السعودية على سبيل المثال. فهي تكتب متسربلة بالشرط الثقافي النخبوي، الذي يقسم العالم إلى «رجال وحريم»، ويضع أحكامه الخاصة بكل جزء، ثم يفتح كوىً صغيرة يراقبها كما يريد.

 

والكتابة تحت هذا التنميط يقود في النهاية إلى ذات النتيجة، حتى مع اختلاف المعالجة، فصحيح أن الروايات تتبنى موقفاً يناصر المرأة، لكن نكاد أن نشبه الوحش لكثرة ما صارعناه كما يقول أحدهم.

 

وذلك عبر إعادة تأسيس مفاهيم الفصل والقولبة، أو الخوف من الآخر -الرجل هنا- وتوقع العداء منه بشكل مسبق. وأحياناً تشترط بعض الكاتبات أن تكون المرأة جميلة «وتفتح النفس» كي تتحدث باسم الأنثى.

 

لكن الحياة الاجتماعية لا تستجيب دائماً للافتراضات الثقافية، ولا للقيود المقررة سلفاً. فللمرة الأولى ارتقت المرأة في السعودية خشبة المسرح، وللمسرح رمزية عميقة في الخلفية الثقافية. رغم غياب حضوره الاجتماعي المؤثر. والطريف أن الكاتب أحمد الواصل يراجع في عدد المجلة كتاباً عن حالة خاصة للجمع بين الرجل والمرأة في سلطنة عمان، ففي الحفلات الموسيقية التقليدية، وفي احتفالات القبيلة الجماعية تحضر المرأة بشكل متساوٍ مع الرجل. وهذا الحضور يمكن أن يصل إلى قيادة فرق شعبية شهيرة.

 

ليس هذا غريباً، فأنا قابلت مسنين أخبروني عن طقوسهم الخاصة التي تجمع بين الرجل والمرأة قبل 50 عاماً فقط. لا أدري أين ذهبت تلك الجماليات؟
 

ytah76@hotmail.com

طباعة