دهشة السقوط

أحمد السلامي


لا يستغرق الحديث عن الرواية في اليمن إلا القليل من الوقت، لأنها لم تتجاوز مرحلة البدايات، ولاتزال تحبو كمّاً وكيفاً، فما أنتجته الأجيال السابقة من روايات ناضجة فنياً يمكن عدها على أصابع اليد، وإذا ما تجاوزنا معيار النضج الفني فإن عدد الأعمال السردية التي تراكمت خلال العقود الماضية ضئيل جداً، لا يعكس التنوع الهائل في البيئة اليمنية، ولا يتوازى مع التحولات الاجتماعية والسياسية المتعاقبة.

 

لكن راية الكتابة انتقلت الآن إلى روائيين شباب، يؤسسون مفهوماً جديداً لبنية الرواية، يتجاوز البنية المدرسية التقليدية التي كانت تنشغل بالحكاية وتصاعد أحداثها في زمن ومكان محددين، كما استطاعوا تخليص الرواية من الانشغال بالتأريخ للمراحل السياسية التي تصفها الأجيال السابقة بالمنعطفات الخطيرة، وبعيداً عن هذه المنعطفات، ترك الروائيون الشباب أمور التاريخ للمؤرخين، والتفتوا نحو معالجة موضوعات جديدة، مع التركيز على تطوير أساليب السرد، على اعتبار أن الرواية ليست مجرد وعاء فارغ لاستيعاب موضوع ما.

 

في الأسبوع الماضي عرضت لرواية وجدي الأهدل «بلاد بلا سماء»، واليوم سأتناول رواية «السقوط» للكاتب سمير عبدالفتاح، وفيها من الحيل السرديـة ما يقدم صورة واضحة عن اشتغال الجيل الجديد في المشهد السردي.

 

يتنازل سمير عبدالفتاح عن الحكاية التقليدية والحبكة المفتعلة، ويجعل الأحداث الرئيسة تتوارى خلف تداعيات السرد، فيتحول المتن المفترض أو المتوقع إلى هامش، بينما يصبح الهامش هو متن الرواية ومحور انشغالها.

 

يورد الكاتب في مقدمة الجزء الأخير من الرواية عبارة تلخص رؤيته لتقنية السرد في هذا العمل، تقول العبارة: «المجال أبعد.. الزمن أقل.. الوهم الأفق كله»، وينجح في تطبيق هذه المعادلة ببراعة، فنقرأ 246 صفحة من السرد الذي يؤجل الأحداث ويظل يدور مراوغاً حول هوامشها، فيقدم رواية تنسف الشكل التقليدي للرواية، أو على الأقل تصدم القارئ العادي حين تتلكأ بذكاء شديد لتستمر في تغييب الحدث مقابل التركيز على حافة الذات الإنسانية حين تكون في قمة ضعفها وانكسارها، هكذا تغدو الأحداث التي ينتظرها القارئ مجرد إشارات عابرة، بينما تغدو تأثيراتها النفسية على الشخصية الرئيسة في الرواية هي محور العمل ومرتكز السرد.

 

أما الذي يبحث عن الموضوع أو الحكاية بمعناها الشعبي فإنه لن يجد في هذه الرواية سوى الفراغ الذي يهوي فيه النسر قبل أن يرتطم بالصخور الحادة.

 

ما يمكن التقاطه وتجميعه من سياق الرواية أن بطلها يعيش حالة انهيار نفسي حاد، إثر تورطه في العمل رفقة جماعة غامضة، التحق بها بعد أخذ دروس شاقة في تقمص الشخصيات وابتكار المشاكل وحلها، وبعد سنوات من سطوع نجمه وتفوقه في وظيفته الغامضة، تتخذ الجماعة قراراً بتصفية بعض أعضائها، من بينهم أقرب الناس إلى قلبه، ولا يسهب الكاتب كثيراً في سرد هذه الواقعة، كما لا يكشف للقارئ ما يشبع فضوله تجاه تلك الجماعة السرية، وتستمر الرواية في مراقبة الفجوة العميقة التي تشكلت في ذاكرة ووجدان بطلها، وفي الوقت ذاته تتخلق في بنية العمل فجوة أعمق حين يظل السرد يطوف من مسافات عالية حول الحدث دون أن يلامسه، يواصل الراوي النظر إلى الأحداث بعين النسر المحلق في الأعالي، وينجح في التحليق بنا وبعمله السردي في سماء الرواية الجديدة المليئة بالدهشة.

 

  

slamy77@gmail.com 
طباعة