لا مستحيل مع «الرؤية»

سامي الريامي

     
يقول خبراء الإدارة إنه يجب أن يكون لكل إنسان أو منظمة رؤية ورسالة، ويؤكدون أن الرؤية هي المكانة المستقبلية، أوالصورة التخيلية التي يحب الإنسان ـ أو المنظمة ـ أن يرى نفسه فيها. وتالياً يجب أن تكون هذه الرؤية شاملة وغير محددة، ولا مانع من «المبالغة» فيها، بل هي أساساً قائمة على أعلى درجات المبالغة، حتى يخلق الإنسان لنفسه تحدياً صعباً، وموقعاً عالياً يتمنى الوصول إليه، ومع ذلك فإنهم جميعاً ــ أي خبراء الإدارة ــ يؤكدون أنه لا يوجد في الرؤية شيء اسمه مستحيل، ومن يملك العزم والطموح لاشك أنه سيحقق رؤيته مهما بالغ في تخيلاته وتصوراته المستقبلية..


خبراء الإدارة وثّقوا قواعد الرؤية والرسالة حديثاً ولربما بدأ ذلك في الثمانينات تقريباً، لكنّ التاريخ يحتوي على كثير من القصص الواقعية الغريبة، التي تثبت أن الإنسان الطموح لا تحدّه الحدود عن تحقيق رؤيته، وأفضل مثال على ذلك قصة محمد بن أبي عامر الذي كان يعمل «حمّالاً» أو «حمّاراً»، ووقف ذات مرة بالقرب من حماره على مشارف قصر من قصور الأندلس يخاطب ابني عمه قائلاً: ما أجمل هذا القصر، أريد أن أسكن فيه، فضحكا عليه ضحكاً شديداً، قائلين: إنك لن تستطيع الاقتراب من جداره، ويكفي عليك أنك واقف مع حمارك ترمقه من بعيد، فقال لهم: «كنت أريد السكن فيه، لكنني الآن أقول لكم إني سأكون سيد هذا القصر وهذه البلاد كلها»، ردّ عليه أحدهم مستهزئاً: إذا وصلت الى سدة الحكم فأوكلني أكون والياً على قرطبة. أما الثاني فواصل الاستهزاء قائلاً: أنا لا أريد ولاية مدينة، لكنك إذا أصبحت ملكاً فأجلسني معكوساً على حمارك هذا، واجلدني 100 جلدة!!

 

محمد بن أبي عامر وضع لنفسه الرؤية المبالغة جداً، وانخرط على الفور في دروس العلم في جامعات الأندلس الشهيرة آنذاك، والتي كان يتوافد عليها الطلبة من أوروبا للدراسة، وفي سنوات دراسته تعرف إلى طالب من «ألمانيا» وعرض عليه الطالب أن يتعلم منه اللغة العربية نظير أجر يدفعه له، وافق ابن أبي عامر، وسأل الطالب: ولماذا تريد أن تتعلم اللغة العربية، أجاب: أرى أن هناك اندفاعاً من بلادي تجاه الاستفادة من الأندلس وعلومها، وإذا تعلمت العربية ستكون لدي فرصة كبيرة بأن أكون سفيراً لبلادي في الأندلس. المهم أنه بعد سنوات الدراسة انتقل محمد للعمل في ديوان الكتابة إلا أنه سرعان ما التحق بالشرطة ثم الجيش، وذلك ضمن خطته للمزج بين العلم والعسكرية، وتدرّج في صفوف الجيش إلى أن أصبح قائداً، وبعد 20 عاماً بالضبط من وقوفه وحماره على مشارف القصر، أصبح محمد بن أبي عامر سيد البلاد، وتولى الحكم ليصبح الملك المنصور!!

 

وبالطبع أول شيء فعله كان تعيين أحد أبناء عمه والياً على قرطبة، وجلد الآخر بعد أن أجلسه معكوساً على حماره!!

 

هذا هو الجزء الأول من القصة أما الجزء الثاني الذي يثبت أن لامستحيل مع العزم والطموح وامتلاك الرؤية، فكان عندما جاء سفراء الدول للسلام على المنصور، ودخل عليه سفير ألمانيا راكعاً إلى أن وصل بالقرب منه فقال له: ارفع رأسك، فإذا هو صديقه الذي كان يعلّمه اللغة العربية، فقال له المنصور: لو كنت بالغت قليلاً في «رؤيتك» لوصلت إلى الملك بدلاً من السفارة!!  

 

reyami@emaratalyoum.com

طباعة