ترويض الهوية - الإمارات اليوم

ترويض الهوية

ياسر الأحمد

 
أحياناً أتخيل «الهوية» وحشاً واقفاً بباب كل منا، مشرّعاً أنيابه ليفترس «هويات الآخرين المختلفة»، وفي  الوقت ذاته يقدم المفاتيح والأقفال اللازمة للتعامل مع هذا الباب الشخصي، ويحرس وجود الباب أيضاً، ذلك أن الهوية جهد مشترك بين الذات التي يصنعها كل منا، والظروف الخارجة عن إراداته الكثيرة، وهي ظروف يصنع كل منها جزءاً صغيراً من فسيفساء الهوية . 


لكن هذه الأجزاء ليست متناسقة بالضرورة، كما يفترض في لوحة الفسيفساء الجميلة ، فمفردة جميلة مثل «الوطنية» قد تعني الموت في بعض الأحيان، وخاصة عندما تمارس الوطنية حضوراً مكثفاً وأحادي الاتجاه وقاتلاً، فما حدث في يوغسلافيا نهاية القرن الماضي، مثال ناصع على التداخل القاتل بين الهوية والوطنية، فكل منهما استخدمت الثانية، لتبرر قتل الآخر وطرده وحذفه من معادلة وجود الذات، وكل طرف كان يعرف هويته بشكل مختلف؛ فالهوية كانت يوغسلافية، ثم أصبحت صربية، ثم صارت عرقية سلافية، ثم استخدمت الشعور الوطني والانتماء الديني لتبرر الإبادة الجماعية للهوية المختلفة.

 

تمارس الهوية ظهورات مختلفة، فهي تتجسد في نتاج شاعر، أو ألحان موسيقار، أو رؤية فيلسوف، أو اختراع كيميائي، أو فريق رياضي كما يحدث في كأس العالم مثلاً. وفي كل هذه الظهورات تحاول هوية الأمة أن تختزل وجودها وتقدم «خلاصة الأمة»، وهنا مشيٌ على حافة الهاوية ، فخلاصة الأمة قد تكون سُماً خالصاً في حال أخذتنا إلى التعصب والانغلاق وأوهام التميز الكاذبة.

 

يحدث أن يسأل أحدنا : لماذا يقدم العرب هويتهم للعالم الحديث كما لو أنهم لا يريدون الاندماج في هذا العالم؟ ولماذا تبدو هويتنا ملتبسة للفهم وملأى بثقوب التعصب؟ والأشد غرابة السؤال عن سبب تقبل الهوية العربية في عصر نهضتها لكل الطروحات المختلفة والمارقة في بعض الأوقات، بل وحدث أن الخلفاء وهم قمة السلطة في المجتمع، كانوا يحتضنون العلماء والفلاسفة، حتى لو بلغ بهم الاختلاف عن المجتمع مبلغاً كبيراً ، وهذا دليل على تقبل الهوية العربية والإسلامية ـ وقتها  ـ لطيف واسع من الاختلاف، على الرغم من أنها كانت في قمة الحيوية والقرب من زمن النبوة. فما الذي جعل هويتنا على هذا القدر من الضراوة والرغبة في العنف؟ وكيف نستطيع ترويضها ومنحها القدر اللازم من المناعة للاندماج في العولمة؟

 
للجواب عن هذا السؤال علينا أن نعترف أن الهوية  المبتغاة ليست كياناً مصمتاً يولد كاملاً، وليست واحدة الشكل، ولكنها تمتاز بقدرتها على التبلور بحسب التجارب الشخصية، وتجارب الأمة، وتمتاز بداهة بقدرتها على التعدد والتلاؤم مع المستجدات، فهي هوية منفتحة ومرنة وإنسانية، منفتحة بقدر ما انفتح العرب على كل الأجناس، ومرنة بقدر ما اتسعت عقلية ابن رشد ليشرح فلسفة أرسطو ، وإنسانيته بالقدر الذي سمح للخلفاء أن يكون خيرُ مستشاريهم من أديان مختلفة عن الإسلام.   

ytah76@hotmail.com
 

طباعة