ختام عروض الأيام «ميادير» و«دهن عود» - الإمارات اليوم

ختام عروض الأيام «ميادير» و«دهن عود»

  
خاتمة عروض أيام الشارقة المسرحية كان لها مذاق مختلف، بل أخذت الجمهور إلى قدر كبير من المتعة والفرجة والفكرة في آن واحد، كما حررت الجمهور من الرتابة، وقادته نحو مشهد إنساني جمالي يحمل وجهة نظر، وموقفاً جديداً، ومعنى مختلفاً، وأوجدت في الوقت ذاته حراكاِ وحضوراً أثبت معناه ومعنى التظاهرة، أيام الشارقة المسرحية التي توقفت فعالياتها، أمس، كانت مساحة إبداع وتعبير، وجهوداً بذلت من قِبل مسرحيي الدولة  الذين زحفوا باتجاه المسرح، وشكل مفرداتهم، وقالوا جملهم وأزاحوا عن الأفكار ستارها، وأثبتوا شرطهم الإنساني الإبداعي، هذا ما يمكن أن يقال بحقهم. 


«دهن عود» جعلت من القبر حياة، مفاجأة رتب لها المؤلف احمد بورحيمة، وأخرجها محمد العامري، هذا الشاب المهموم، والنائم في نصه اليقظ، والواقف وسط جملته، والقادر على نبش مفرداته وتقديمها برؤى إبداعية متجددة، يقف تماماً هذه المرة بين الممثلين والجمهور، خرج من الخشبة ليعيد صياغة خشبة أخرى، وينتزع من الجمهور مساحته ليحكي حكاية العاطفة، وليرسم سينوغرافيا ملآنة بالحلم والحقيقة على أرض من حرير. 


ما بين الحياة والموت يصوغ أحمد بورحيمة حكاية الواقع، خلاف الطريق إلى المشاعر، ويأخذ ورد القبر وشاهده إلى رائحة «دهن عود» فاصلاً ما بين الشخصيات وعدمها، وما بين الخيال وإمكانيته في التحقق، تفوق هذه المرة كل من أشجان «الزوجة»، وسيف الغانم «الزوج»، وجاء البيانو على المسرح كأنه ممثل لا يقل أهمية للعازف ميرزا المازم، ليكمل رومانسية المشهد بكل تجلياته.


المشهد المسرحي الذي رسمه المخرج العامري كان له وقع كبير على الخشبة، حين سحب الخشبة ليقتسم مع الجمهور حكاية جريئة  شكلاً ومضموناً وأداء  تعبيرياً، وجسّد واقعاً قاسياً، وعواطف منقوصة، جسّدها الى جانب الشخصيات الرئيسة في اداء حركي، مصاحب وموازٍ على الخشبة لـ محمد علي وهبة. العرض الذي كان عبارة عن لوحة من السينوغرافيا والموسيقى والأداء التعبيري المساند والممثلين (أشجان وسيف الغانم) شكلوا سيميائية من التعبيرات المسرحية بكل أبعادها، ممسكين بالفضاء كجزء مهم وواضح من العرض. 


 العرض الثاني والأخير في الليلة الختامية للأيام حمل عنوان «ميادير» وتعني سنانير الصيد، للمؤلف المسرحي إسماعيل عبدالله، والمخرج أحمد الأنصاري لفرقة المسرح الحديث، كانت بمثابة الجمر تحت الرماد، الأصدقاء الخمسة على مركب في رحلة صيد في عمق البحر، وإعادة إنتاج لصداقة طالما أرهقتها ظروف الحياة، لكنها جاءت في وقت تغير فيه الجميع، فمنهم من اصبح متديناً، وآخر سكيراً، ومحامياً انتهازياً وتاجراً يبحث عن ضحايا لغسل امواله، ونوخذة مازال تحت رحمة الفقر، على مركب في عمق البحر ليكشف ما ابعد من ذلك، جثة جندي اميركي متحللة في مياه الخليج، هذه الجملة الأخيرة التي ادت في الجميع الى ترك الجثة على مركب معطل اصلاً والقفز في البحر.
 
المسرحية «ميادير» لم تصد في البحر إلا جثة جندي أميركي بقيت منها قطعة قماش عليها رمز العلم الأميركي، العمل يجسّد صراع الضمائر والمعاناة الشخصية، والبوح الدفين بين اصدقاء فرّقتهم الحياة ليجمعهم مركب لرحلة صيد بدت بريئة، الا انها حكت في ما بعد شيفرات الواقع، ولغز اللقاء الذي كان لكل واحد منهم محوره وقصته وجملته المسرحية، التي تصاعدت منذ  اللحظة الأولى حتى الخاتمة ليسجل جرأة واضحة في محاكاة الواقع المعيش بطريقة فنية مسرحية تسجل لمؤلف العمل ومخرجه.


الحوار الذي دار بين الأصدقاء على ظهر مركب معطّل حمل دلالات كبيرة ومثيرة للانتباه، وسجّل تغيّرات المجتمع، وتبدِّل قناعاته الدينية والقيمية والاقتصادية، والفساد الاقتصادي، وتبدل المشاعر بين افراد المجتمع، والفرز الطبقي. إنه في نهاية المطاف نصّ حاكى واقع المنطقة ومشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولم يغفل شيئاً في تبدلاته، ورسم العرض واقعاً مؤلماً لكل شخصية، الا ان الجميع يغرق، وتبقى الجثة المتحللة التي صادتها السنارة وحدها على مركب معطّل لتصل الرسالة بـكل معانيها وتجلياتها.

طباعة