أُميتنا الجميلة - الإمارات اليوم

أُميتنا الجميلة

خليل قنديل


نحتاج أحياناً إلى قصع رقبة هذا الوقت البلاستيكي البارد، وتمريغ أنفه في التراب والهروب الى هناك، حيث مناطقنا المعافاة. نعم نحن بحاجة وسط هذا البحث الموحش عن الرزق وهدأة البال ولدانة هذا التزاحم على الموقع المهني والوظيفي، الى مفاتيح الخير، تلك التي طالها الصدأ، والتي كانت ما إن يمسها الجار أو الصديق، حتى تنفتح بوابات أرواحنا على مشراعيها. نحن بحاجة فعلية للخروج من هذه الصناديق المزدانة بالحجر المُكحل.
 
والتي سمّيناها بيوتاً، ومن شرفاتنا المزدانة بالنباتات والاصص الفخارية، وتلك المساحات المستطيلة والغرف التي توزعنا عليها صبح مساء كأحجار الشطرنج. نحن بحاجة الى التخلص من هذه الفتحات العمياء التي تسمى نوافذ، وإلى التخلص من تلك الشقق المستقرة في القامة الخرسانية التي يقودنا حارسها الى المصعد، حيث بله الصعود والهبوط، والمحاولة الغبية في الاعتذار الدائم لرفيق المصعد، عن تلك العلاقة الطارئة في مساحته الضيقة. نحن بحاجة الى قطع مشيمة العلاقة مع مطاعم الوجبات الناهضة من برودة التجميد الأبدي للتو، ومع قطع العلاقة مع هذا التجمع الطارئ الكشفي للسوبر ماركت والمول.
 
والذهاب هناك الى الأسواق التي كانت تأخذ المدى المكاني لوسط المدينة بالشوارع والأزقة وضجة عافية الأصوات. نحن بحاجة الى العودة الى الاسواق التي كان فيها الحلاق حلاقاً واللبان لباناً والبقال بقالاً بحيث كان الواحد منهم وكأنه ولد في مهنته. نحن بحاجة للعودة الى تلك البيوت التي يليق بها مسمى «مسقط الرأس». بحاجة الى تلك البيوت المصابة بجمالية كهولة المكان، والأصوات النائمة فيه. نحن بحاجة الى ضجتها التي كان يحدثها ضيف الخير المباغت، وبحة أصوات الاعمام ورائحة «الهيشي» المنقعة في عباءاتهم.

والايقاع الجارح لهرج الرجال. نحن بحاجة الى معاودة مشاهدة أمهاتنا اللبونات بالمحبة والخير، ورائحة تلك الاطعمة، وصوت أدعيتهن وهي تظلل ربّ العائلة والأولاد كغيمة ربانية تحرس، همتهم الذاهبة نحو الرزق والمدارس. نحن بحاجة لتلك الدالية التي كانت تُعرش فوق حوش البيت، وتلك الياسمينة النابتة في الحوض النحيل، وتلك الجلسات التي كانت بضجة اصواتها تسلمنا للنعاس الطفولي العميق، بشقاوة التعمد في الاغفاءة اللذيذة والنادرة. نحن بحاجة لتلك الشوارع التي كانت تتلقف خطواتنا المرتعشة بفرحة اكتشاف الطرقات التي كانت تبدو وكأنها نابتة من البيوت، نحن بحاجة الى تجديد مشهد حدقة العين في مشاهدة بنت الحارّة، «ملعونة الوالدين».
 
هذه التي أكل مشهد اطلالتها من النافذة عقول الفتية، وهي تدلهم في كل اطلالة على تضاريسهم الجسدية، وتدخلهم في طلسم الاكتشاف، والتيقن من وحدة الفراش. نحن بحاجة الى مشاهدة تلك الجدّة التي كانت تحرس طفولتنا، منتدبة نفسها كأول موتى البيت، وكحارسة لنا من اللائذات، وهي تجلس في تلك الزاوية، زاوية التسبيح والصلاة، وإنهاض الرجولة المُبكرة في الاحفاد. نحن بحاجة للإمساك بالهواء المعافى من عوادم السيارات والاحتباس الحراري.
 
بحاجةألا للذهاب نحو حقول كادت أشجارها أن تتيبس، وإلى ينابيع طلقة في مائها لم تطلها فكرة المعالجة الفكهة بعد، وإلى جبال تعاني قممها الشامخة من وحدة تكاد تكون أبدية. نحن وسط كل هذا المدى المديني المصمت ببرودة الكونكريت الذي يأكل أبصارنا كل يوم، بحاجة الى أن ننده على أميتنا هذه التي مازلت قادرة على أن نهتف وكلما أطلت علينا بموقف مباغت وأصيل: يا إلهي مازالت الدنيا بخير   

khaleilq@yahoo.com
طباعة