بهرام حاجو.. فتــــــنة الإشارات الصغيرة

 
لم تكن هجرة التشكيلي السوري بهرام حاجو الى ألمانيا مطلع السبعينات، حيث درس واستقر هناك، حالة انقطاع وانقلاب على الذات والقناعات والمرجعيات الاجتماعية والبصرية، بل وكما بدت تجاربه الجديدة المستضافة في قاعة «توتال آرت» بدبي، جملة من المحاولات التجسيدية للبقاء في مساحة الذاكرة، وفي ذلك الفضاء البعيد الذي تشكل فيه الوعي الاول، خصوصاً في الاعمال التي يرسم فيها الطبيعة والمشهديات الواسعة، في هذه الاعمال تحديداً نجد روحية الشمال السوري، الدروب الترابية.
 
بيوت الطين، المدى غير المحدود، وكثيراً من الخصوصيات الجغرافية التي يواريها بهرام بحساسيات لونية خاصة، وتجريدية تبقي على روحية الأشياء، بحيث لا تصير الإحالة البصرية مجرد رمز أو إيحاء، بل ثمة شكل ما، يحكي عن ذاته حتى ولو كان متوارياً خلف طبقات اللون، ومستويات الاشتغال عليه، والتداعيات الشعورية التي حكمت انجاز العمل، ولعل هذا الابقاء على الخطوات الاساسية للموضوع يعود الى كون حاجو لا ينتمي الى التجريد بمعناه الحقيقي، بل الى تعبيرية تتبلور هويتها ونتائجها في جل أعماله الأخرى، بحث تصير محاولاته التجريدية ليست أكثر من تجـارب يخزن فيها حاجو حنينه وعواطفه الى مسقط الرأس، والامكنة الأولى، ولو بطريقة غير مباشرة.

الانسان هو الحاضر الاساسي في تجربة حاجو ليس على مستوى هذا المعرض وحسب بل في سياق تجربته العامة، ومع هذا الانسان يمضي حاجو في رحلة حقيقية قوامها البحث والتحليل والوصول الى أقصى ما يمكن التقاطه في علاقة هذا الانسان مع نفسه والآخر، ومن هنا ليس لمتأمل أعمال هذا الفنان إلا أن يشاركه تلك المناخات المسكونة بالريبة والقلق والتوتر لكائنات عالقة في زمانها ومكانها وعالمها اللوني، منها ما هو متوثب، ومنها ما هو اسير عجزه، وكثير منها صار أميل «للانمساخ».
 
وبات ذلك الوحش المستتر في الداخل أكثر انكشافاً ووضوحاً، لكن بالصورة العامة نجد ان هذه الحالات والاعمال ناجمة عن فنان مراقب، تفتنه الاشارات الصغيرة، يسترق النظر الى كل ما يدور من حوله. التجول بين لوحات بهرام هو رحلة في مشهديات عدة، وفي مساحات من الجدل الخارجي، فشخصياته العالقة في تلك اللحظات المأزومة المبنية على أسس بصرية مميزة تقول للآخر الذي هو نحن أشياء كثيرة، فليس هناك إضمار، وترية، بل ثمة خطاب مباشر، علينا الإنصات له، ومن هنا فإن هذه المشهديات تنبني على اسس درامية واضحة المعالم، خصوصاً في الاعمال التي فيها أكثر من شخص، كل ما في هذه الاعمال يستند الى طاقة درامية.
 
وكأنها مجتزئة من الحياة اليومية، ومقتطفات انسانية أراد بهرام نقلها لنا على شكل اسئلة فضولية قصيرة، ماذا يدور خلف الابواب الموصدة؟ ما الحديث الدائر بين رجل وامرأة على الطاولة البعيدة في المقهى؟ وما مساحة الخراب التي تتركها علاقة مأزومة بين عاشقين؟ هل يفكر عجوز في الـ80 بالحب؟ هي أسئلة افتراضية لكنها تقود اللعبة الابداعية الى الكثير من المساحات الانسانية الخاصة، ليس لتقديم إجابات، بل لخلق حالة من الجدل وحوار بصري حولها.
 
لعبة حوارية
حاجو غير معنيّ بالتفاصيل اللونية، وليس منشغلاً بتقديم تبريرات بصرية لأعماله المشبعة بعفوية تتيح لمتلقيها الكثير من فرص التقاطع، والتفاعل، والتأثر.

لكنها في الوقت ذاته مصنوعة بحرفية عالية، تبدو في قدرة هذا الفنان على إلغاء كل ما هو زائد على حاجة اللوحة، والتخلص من المعاني غير البصرية التي ينساق خلفها الكثير من الفنانين، لا مكان للتزيينية، والتصويرية الساذجة، حتى انه وفي كثير من المواقع نجد لوحة حاجو أقرب الى «السكيتش» الخطوط السريعة التي تحدد الشكل العام للموضوع أو الكائن، ثم نجد ان حجم الاشتغال يكمن في تمكين الشكل من فضائه والمساحة التي سيعيش فيها، وهذه اللعبة تتطلب حوارية من نوع خاص مع العمل، قبل وأثناء، وبعد انجازه.
 
يقول حاجو: «أبدأ عملي بسكب الألوان على اللوحة، وتوزيعها بشكل سريع وعشوائي، ثم أعود للحوار مع اللون وتحديد الأجزاء التي تشكل عناصره وصولاً الى مرحلة القناعة بانتهائه». لوحة بهرام حاجو هي لوحة انسانية بامتياز، مساحة تقترب من لحظات حميمية، أو مأساوية في العلاقة بين الرجل والمرأة، لكنها ورغم انها تعمد الى المباشرة في الطرح، تظل تجربة فيها الكثير من الحرفية التي تمنح العمل بنائية متماسكة، وإيقاعية تربط بين مفردات وعناصر العمل، انه يقف عند لحظة إبداعية تجمع بين التجريد والتشخيص، في لعبة تتداخل فيها النخبوية بالتجارية، وبالضرورة المتعة التي تدفعك للاقتناء او الاستمتاع بما ترى.  جدير بالذكر أن المعرض مستمر حتى الخامس من إبريل المقبل، وهو ثمرة تعاون بين قاعة «حوار للفنون» في السعودية، وصالة «توتال آرت» في دبي.