أقول لكم


فقط جورج بوش يرى أنه حقق نصراً استراتيجياً في العراق، والعالم كله يرى عكس ذلك، لماذا ؟ قد تكون مكابرة من صاحب قرار الحرب نفسه، فهو غير قادر على الاعتراف بخطأ الحرب، وأخطاء ما بعد الاحتلال، وها قد مرت خمس سنوات، والمستنقع يتسع مداه، ليس للقوات الأميركية فقط، ولكن لكل فئات الشعب العراقي بطوائفه وقبائله وأحزابه، وللجيران، الطامع منهم، والخائف على وضعه الداخلي، وذلك المتأثر بتداعيات القتل والدمار والتشريد واللجوء السياسي والإنساني.

قد يكون النصر الاستراتيجي له معنى آخر عند إدارة جورج بوش يختلف عن المعنى الذي تسجله أدبيات العسكر على مر العصور ، فالنصر، مثلا، في الحرب العالمية الثانية كان يعني هزيمة هتلر وإسقاط النازية بفكرها العنصري، وتخليص العالم من قيادات دول المحور، وإعادتها إلى النسيج الدولي، وقد حدث ذلك بعد أن هزمت الجيوش النازية، وتحررت الدول المحتلة من ألمانيا واليابان وإيطاليا، وسقط موسوليني ومعه الحكم العسكري في طوكيو، وانتحر هتلر، وتحقق النصر الاستراتيجي للحلفاء، ومن بعده كان النصر الأكبر بإزالة فكر العرق الأعلى والسادة الذين يجب أن يحكموا العالم، وأعادت خطط البناء تلك الدول مرة أخرى إلى الواجهة عبر الاقتصاد والصناعة، وتسيّدت ألمانيا، ومعها اليابان، قيادة الارتقاء الدولي دون جيوش.

واليوم لا نرى نصراً، اللهم إلا إذا كان الفكر المتطرف الناتج عن انتماء ديني يمكن أن يكون نصراً من خلال التدمير، فالحاصل في العراق هو تدمير لتاريخ وحاضر ومستقبل،

وخلط لأوراق سياسية ومذهبية وعقائدية لن ينجح أحد في تنقيتها لعقود طويلة، وساحة إراقة دماء واستنزاف لأموال لا يمكن إحصاؤها، فهذا نصر قائم على سياسة الإزالة وليس البناء، وهي معلنة تحت اسم «الفوضى الخلاقة»..

ولم يكن للفوضى في يوم من الأيام نتاج غير المجهول، لا يمكن أن تتزاوج الأفعال الخلاقة بالفوضى، بل تتناحر هذه مع تلك، فمن أراد أن يكون خلاقاً يجب أن يتحلى بأقصى مشاعر الإنسانية، وأن يكون متسامحاً، وأن يكون عاقلاً، وأن يكون حليماً، وأن يكون سيداً بحق، ومن أراد أن يكون فوضوياً يقتل بالشبهة، ويصنّف الناس حسب الهوية، ويعاقب العشيرة على خطأ فرد من أفرادها، ويزيل مدينة من الوجود لاختباء مشتبه في أحد بيوتها، ويقتل عائلة آمنة قبل سؤالها، فأي نصر استراتيجي هذا الذي يتحدث عنه جورج بوش بعد خمس سنوات من الفوضى؟

myousef_1@yahoo.com