أشباح التاريخ


رغم ايمان الإسرائيليين بأن الكارثة تقابل بكارثة مثلها، فإن تمسكهم بفكرة خلاص إسرائيل القائمة على استغلال المصيبة من جهة، والتمسك بسلطتها المقدسة على الأرض العربية، من جهة أخرى، جعلت من مقولة أن اليهود فقدوا دليلهم في برية الحقائق المجردة، نشرة تدل على أنهم مجرد أشباح تاريخ، رغم وجود الحصن الجغرافي.
 
غير أن راهنية الحصن الجغرافي المغتصب، وبحسب منطق الكارثة، لن تكون أبدية ما دامت إسرائيل تتمسك بفكرة التراب الكامل التي يمكن أن تستبدل بها في بعض الاحيان، خدعة ما يسمى بالأرض مقابل السلام التي تظهر ثم تختفي في أروقة المفاوضات الكثيرة. في كتاب جاكلين روز «القضية الصهيونية» الذي ترجمه د.محمد عصفور وكتب مقدمته د.محمد شاهين، وصدر أخيرا عن المركز القومي للترجمة،  يجد القارئ أن هذا الكتاب  يقابل كتاب ادوارد سعيد «المسألة الفلسطينية»  ويلمس حقائق لا تحصى حول ما تعنيه الصهيونية لليهود، رغم  أنها فكرة دموية  خرجت الى حيز الوجود من بطن الارهاب، لتمارس النشوة المنتصرة من دون أي اعتبار لأي نزعة إنسانية،  ترى أن الدم يجب أن يبقى في العروق ولا يجوز أن يسيل فوق التراب مهما كانت الأسباب.
 
وبناء على ما سبق نجد أننا أمام باحثة تؤمن  بعدالة  الحق الفلسطيني، اضافة الى ايمانها ايضا  بفكرة ادوارد سعيد التي نادت بدولة علمانية تضم الشعبين، خصوصا ان روز تسخر من الانتماء الايديولوجي، كما تسخر من أقوال الصهاينة المتعصبين وعلى رأسهم غولدا مائير التي قالت: «من هم الفلسطينيون؟» في اشارة تنكر فيها حتى خلق الخالق اضافة الى المشترك بين الديانات.
 
غير أن المهم في كتاب «المسألة الصهيونية» الذي جاء  بعد كتاب روز «أشكال التخيل» الذي وصفه ادوارد سعيد بـ«العبقرية النادرة» فيكمن في تتبع خيوط النظرة الصهيونية للعالم،  خصوصا ان روز تبدأ متسائلة، هل يمكن التحدث عن معاناة اليهود وعن العنف الذي تمارسه الدولة الاسرائيلية في آن معا؟ وكيف يمكن فهم الولايات المتحدة في تأييدها لحق اسرائيل في المحافظة على مستعمراتها في الضفة الغربية، رغم معرفتها التامة بأن هذا الأمر يعد مخالفة للاتفاق الدولي ويؤدي في النهاية الى  تضاؤل امكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة!
 
وبين هذه التساؤلات وبعدها تذهب روز الى نقد جرائم السياسة الأميركية وفضائح الكيان الاسرائيلي، بدءا بالاحتلال وإقامة الجدار العازل، وسياسة تدمير البيوت والاغتيالات ومنع التجوال والتدمير الشامل للبنية التحتية للمناطق المحتلة وضياع أي حل سياسي .
 
وتتابع روز قراءة «القضية الصهيونية» لتؤكد عبر فصلين كاملين أن ما نراه ويراه العالم، ينتمي الى «القتل السياسي» مستعملة  هذه العبارة التي نحتها «باروخ كمرلنغ» حين وصف حرب شارون على الفلسطينيين «بالقتل السياسي» مبينة أن الواجب الاخلاقي،  يحتم على العالم مطالبة إسرائيل بأن تتحمل مسؤوليات تاريخها وأفعالها المشينة من خلال صرختها : «أنا فزعة مما يرتكبه اليهود باسمي ولن أنسى أن خلق اسرائيل في عام 1948، أدى الى مظلمة تاريخية».
 
zeyad_alanani@yahoo.com