في نقد غريزة القطيع

ياسر الأحمد

 
قبل أن يتحدث الفلاسفة عن غريزة القطيع ،سلباً أو إيجاباً ،فإن الشاعر الجاهلي شعر بها ورسّخها قيمةً من قيم البقاء لديه فقال : وما أنا إلاّ من غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ/ غَوَيْتُ وإنْ تَرشُدْ غَزِيَّةُ أرشُدِ . لم يفكر الشاعر في الأمر كثيراً فهي «غريزة» والغرائز تسبق التفكير وتجتاحه أحياناً، والغرائز تؤكد أنها أكثر فاعلية من الناحية العملية على مستوى البقاء والوجود والحماية .
 
حين بحثت في المعجم الفلسفي عن غريزة القطيع وجدت ما يلي « نزعة في الحيوانات الاجتماعية، ومنها الإنسان، تجعلها تنزع إلى العيش معا وتستجيب بطريقة واحدة لمؤثر معين، أو تجعلها تحذو، على نحو أعمى ومن غير إعمال للفكر، حذو فرد بعينه، في موقف من المواقف. وهي تدفع الفرد إلى التعاون مع غيره من أبناء مجتمعه». لفتني جداً مدى تطابق التعريف مع الواقع ،فالاستجابات في المجتمع القطيعي تكون متشابهة وعنيفة وبعيدة كل البعد عن التفكير ، يكفي أن يخطب خطيبٌ محرضاً ضد خروج عن المألوف، حتى ترتفع الأصوات والهتافات بالتأييد والشجب .
 
رغم أن ذلك الخروج قد يلاقي قبولاً عند ذات الشخص إذا شرح له بشكل فردي، بعيداً عن تأثيرات «الجماعة» وسطوة الجموع .والتعاون الايجابي أو السلبي سيكون سائداً بالطبع في السلوك القطيعي،فهذا التعاون يعطي «مبررا نفعياً» للإبقاء على قيم القطيع رائجة .
 
وسطوة الجموع وثقافتها هي ما تنتقده الباحثة رجاء بن سلامة في كتابها «ثقافة الجموع» منتقدة هذه الثقافة التي تستسهل التقليد وتعدّه ضمانة لصيانة الجموع. هذه الثقافة تشرّع نفسها عبر الاستناد إلى أقوال مأثورة أو صياغة أمثال شعبية للتداول «فالحشر مع الناس عيد»، و«مع الخيل يا شقرا»، و«الذئب إنما يأكل الشاة القاصية».
 
للسلوك السياسي أيضاً دور شديد التأثير في استدامة أزمة القطيع ، فأهم ما يركز عليه سياسيو القطيع فكرة الخوف من قطيع آخر مختلف. يبدو الأمر شديد السخرية، لكنه سلوك يتم اعتماده كل يوم وتستخدم لأجله كل وسائل التحريض المتاحة . يعتقد البعض أن التمسك بهذه الثقافة هو في النهاية وسيلة حفظٍ للمجتمع ، لكنهم ينسون أن الغريزة التي تذهب بالفراشة إلى الأزهار الملونة ،هي نفسها التي ترسلها إلى حتفها في لهيب الشمعة الملون أيضاً .

لذلك يبدو التحرر من هذه الغريزة مقياساً إيجابياً لمدى تحضّر المجتمع ،ففي المجتمع الحيواني يتوقف القطيع أمام النهر خائفاً من اجتيازه،وفي لحظة ما يبادر الزعيم باجتيازه وحده، ليبدأ القطيع يتراكض وبعنف، ليأخذ كلٌ مكانه في عبور النهر. بينما يركز الإنسان على فرادته واختلافه ورفضه للتقليد . دائماً كنت أفكر لماذا أصرّ نيتشه على الإنسان الخارق، أظن أنه كان يقدم حله الخاص لغريزة القطيع ، فعندما يعتقد كل إنسان أنه سيّدٌ  وحده،سيبادر باجتياز النهر دون أن ينتظر ثواباً أو عقاباً .
فقط لأنه خارج القطيع . 
طباعة