امنحونا قليلا من الوقت


 امنحونا القليل من الوقت كي نهدأ قليلاً، ونقوى على التحديق في الكارثة، توقفوا لبعض من الوقت عن الضخ الدموي اللحظي واليومي لنشرات الاخبار، وحمى استطالة «الخبر العاجل». امنحوا أعيننا تلك الاغماضة البشرية، التي تعد باليقظة، ولو للحظات، كي نسترد شهيقنا العفوي ونطلق زفيرنا، ونقوى على ضخ الامل في إمكانية معاودة الحياة في اليوم التالي.
 
ارفعوا أيديكم عن رأس هذا الكوكب، وامنحوه دفقة النعاس الطفولي ولو مرة. توقفوا قليلاً عن العبث بجغرافيا الكوكب، بالمدمرات والصواريخ العابرة للقارات، ومناورات الحرب، وحمى تخصيب اليورانيوم، والمعامل السرية للعلماء، والحرب الجرثومية، والفيروسات الهجينة، والدخان الذاهب نحو ثقب الاوزون، وفكاهة الاحتباس الحراري!.

توقفوا قليلاً عن الذهاب الى مطابخكم السياسية، من اجل اعادة البشرية الى إثنيتها الاولى، ومربعها الاحمق الاول، كي تنتجوا لنا فائض حمقى التاريخ، الذين يتلذذون بالجثث المجهولة الهوية، والانفجار المدوي للسيارات المفخخة. اوقفوا سعير جهنم الارض، هذه التي صارت تداهم غرف نومنا، وأسرَّة أطفالنا، وترعب الاذرع النباتية لشجر الحديقة، وتسوقنا كل صباح نحو مشنقة الوقت، والضحك على ذقنه بحجة الحياة. توقفوا قليلاً عن إعادتنا الى عقلية القلعة، ومدينة الاسوار التي قضمها التاريخ وبصقها، بالجدران العنصرية العازلة والقواطع الاسمنتية، والاسلاك الشائكة.
 
امنحونا القليل من الوقت كي نعاود يقظتنا الصباحية تلك التي كانت تمسد فوق رؤوسنا كل صباح ثم تنهضنا  لنبدأ تلذذنا باحتساء القهوة، واقتناص الافق الصباحي المبكر بالقهوة، وتوزيع الآباء نحو رزقهم، والابناء نحو مدارسهم، والامهات نحو ضجة الجارات، والجدة في غرفتها الصغيرة بانتظار موتها الانيق. امنحونا القليل من الوقت كي نسترد حياتنا التي كانت تتدفق كنهر أمي منذ الصباح وحتى وسادة النوم. امنحونا القليل من الوقت كي نقوى على التحديق في افقنا الارضي المُتاح هذا، في البيوت والشوارع، والاسواق، والازقة النحيلة، وظلالنا التي صارت ترتسم أمامنا وخلفنا كإشارة تعجب!.
 
امنحونا القليل من الوقت كي نقوى على الامساك بياقة التاريخ الذي تورم بالفتن وبالحروب والمؤامرات والمؤتمرات، كي نقوده الى نحو التجمع الانساني الأول، وحقل الحنطة الأول. امنحونا القليل من الوقت كي نخلع عن التاريخ هيبة حنكته الدموية، وننزع عن وجهه كل السماكات التي اقترحت عليه، نعيده كما ولد بريئاً وبرياً، ويقوى على عودته كابن أفقده الغياب والتضليل رشده، وعاد تائباً احتراماً لسيده الاول «الشرق»، علّه يقوى على استرداد ذاكرة المعابد والاناشيد والاساطير وحكمة الكهان. ويتعافى من دجل المضارع القائم.

امنحونا القليل من الوقت كي نمسك بذاكرة الشرق الذي امسك بأول الابجدية وشكل حروفها، وأطلق القصائد والأغنيات. وأطلق الشعراء في الأرض. امنحوا شرقنا لا بل شرقكم هذا الذي باض كل الحضارات، ومنحكم الخيط الاول الذي يدل على التأمل. امنحوه بعض الوقت كي يؤثث حضوره الابدي من جديد. توقفوا عن دجلكم الحضاري، المدجج بالاحصائيات، والدراسات والتقارير، والرؤوس المنتفخة بالارقام، والجُمل الحادة والموجعة بأناقتها، والاشراف المدهش على الشعوب. توقفوا قليلاً، وامنحونا فرصة التيقن من الكوكب ومن إقامتنا الجمعية فوقه.ودعونا ولو مرة نتنفس هواءً واحداً .  

khaleilq@yahoo.com