طائرات الورق

 
ليس هذا الأسبوع مناسباً للفرح، فما يحدث في غزة لا يقترب بأحدٍ من حدود الفرح أبداً .
لكن رغم ذلك لا أعرف لماذا ألحّ عليّ موضوع «الطائرات الورقية» بشدة هذا الأسبوع، مع أنه أمرٌ فكرت به منذ أن حدثتني صديقة عن رحلتها إلى فرنسا لحضور مهرجان خاص بالطائرات الورقية. هدف هذا المهرجان هو تنشيط الحوار بين الحضارات عبر استلهام الأفكار والتصاميم للطائرات الورقية. ليس غريباً أن يكون الشعر أو الموسيقى أو الرياضة موضوعاً يستخدم لتحفيز حوار الحضارات، لكن استخدام طائرات الورق بدا أمراً جميلاً وغريباً، بالنسبة لي على الأقل، فحاولت  أن أعرف أكثر عن هذا النشاط الطفولي المميّز .

 

أول ما خطر ببالي عملية فدائية حصلت قبل عشرين عاماً تقريباً، لمن يذكر، ونفذت عبر طائرة شراعية انطلقت إلى داخل فلسطين عبر الحدود. والطائرة الشراعية هي طائرة ورقية «مكبرة». وكانت العملية وقتها عنصراً مساهماً في إشعال انتفاضة الحجارة الأولى. في تلك الانتفاضة كانت الطائرات الورقية حاضرة أيضاً بحضور الأطفال الكثيف. فألوان العلم الفلسطيني رمز وجودٍ، تطرز وتطلق في سماء فلسطين كحلمٍ. أو يرسم الأطفال عليها خارطة فلسطينهم ويطيّرونها عالياً.

 

والشعارات السياسية أيضاً ترتفع عالياً عبر هذه الطائرات الورقية، ليطلق جنود الاحتلال النار عليها، كما يطلقون النار على بالون لمجرد أنه يحمل صورة الرئيس الفلسطيني الراحل «أبو عمار». لا غرابة في ذلك، ففي أفغانستان حظرت حركة طالبان تطيير هذه الطائرات، وأرفقتها بقائمة الممنوعات الطويلة .

 

فرغم بساطة هذه اللعبة وبدائية صناعتها أحياناً، فإنها تحمل رمزية التحرر والانطلاق، وتسعى دائماً لتحقيق أحلامنا في الهواء الذي فوق رأسنا، هوائنا القريب. نستطيع عبر هذه اللعبة تمرير رسالة الحياة ضد كل أشكال الحجز والمنع. وهو ما فهمه منظمو مهرجانات الطائرات الورقية، وسعوا ليحولوها إلى مناسبة سلام وفهمٍ للآخر، ورموزه التي ينثرها فوق طائراته الصغيرة. لكن المثير للتساؤل، تحول هذه الهواية عند البعض إلى نوع من المعارك الجانبية، بحيث يكون الهدف في النهاية إسقاط طائرة الخصم بقطع خيوطها في معركة أكثر لذةٍ في النهاية من معارك الحديد والنار.

 

السينما أسهمت بدورها أيضاً حين أخذت رواية من أفغانستان وحولتها إلى فيلم جميل بعنوان «عدّاء الطائرات الورقية» الذي يتحدث عن يافع يتعلم صناعة طائرات الورق ويلهو بها في كابول، ثم تتطور الأحداث في بلاده ليجبر على الهرب منها، حاملاً ذكرى جميلة وهشةٍ كطائرة ورقية.

 

الطريف أن بعض المشاهدين الأميركيين علق بأنه «اكتشف بعد مشاهدة الفيلم أن الأفغان هم أناس مثلهم مثلنا». هناك ما هو أطرف، فإحدى نظريات بناء الأهرام تفترض أن الطائرات الورقية كانت وسيلة الرفع المناسبة للأحجار الضخمة. حتى إن المهتمين بذلك لم يتوانوا عن إجراء اختبارات عملية ليثبتوا نظرياتهم.

 

إذاً ، ما حلمت به اليوم.. فقط لو استطاع أطفال غزة أن يغنوا «طيري يا طيارة طيري ،يا ورق وخيطان» ويطيروا طائراتهم بلا خوف.   

ytah76@hotmail.com