امرأة تبحث عن مهنة وطموح


أعشق السباحة ضد التيار، في بحور الأحلام، والصمود أمام الأنواء والأعاصير، منذ نعومة أظافري، عبثاً حاولت أن أتمرد على هذا العالم الذي أعيش فيه، وأن تصبح لي شخصية مستقلة لأتخذ قرارات حياتي المصيرية بنفسي، لكن أسرتي التي تحافظ على العادات والتقاليد، كانت لي بالمرصاد، تمنعني من ممارسة حريتي في أبسط تفاصيل حياتي، ومع ذلك قضيت سنوات الطفولة هائمة في أمنياتي، انتظر لحظة الخلاص من الأغلال والقيود.

 تواصل نورا قصتها: كنت على يقين أننى سأصل حتماً إلى لحظة الاصطدام والانفجار مع عائلتي، وهذا ما حدث بالفعل عندما التحقت بالجامعة، وبدأت أشعر بأنها تهدد آمالي، حتى بعد أن تزوجت وأنجبت مازالت تطاردني في أحلامي، وهذا ما يدفعني الآن إلى فتح خزائن أسراري على الملأ، لتصدروا حكمكم في حكايتي.
 
كانت حياتي تمضي على وتيرة واحدة، انتقل من مرحلة دراسية إلى أخرى، وكلما اتخذت أي قرار، يحدث شد وجذب مع عائلتي وكأنني ليس من حقي أن أختار الطريق الذي أسير فيه إلى المستقبل، درست الإعلام وبدأت حياتي الجامعية باهتمامات ترفضها أسرتي، ومع ذلك لم اتراجع أو اتقهقر أمام ضغوطها، وقضيت سنوات الدراسة بحب شديد.


لا أكذب عليكم إذا قلت لكم إنني وضعت قلبي في ثلاجة، ورفضت تلبية كل نداءات المشاعر، من أجل تحقيق الحلم الذي انتظرته طويلاً، وهو العمل في مجال الإعلام، وقبل التخرج طلب منا أن نحصل على تدريب بإحدى الصحف المحلية، وأثناء الفترة التدريبية لمعرفة أقسام الصحيفة، تعرفت على بعض المحررين الذين أثروا فيّ بشكل خاص.

بدأت قراءاتي تختلف، إذ أصبحت أتابع قراءة بعض الصحف و المجلات، إضافة إلى اهتمامي بعالم السينما، فشعر أهلي أنني أغرد خارج سرب العائلة والعادات والتقاليد، التي لايسمحون لأي فرد بالتمرد عليها، تمنيت أن أصرخ بأعلى صوتي ليتجمع الناس ويسمعون قصتي وينصفونني، لكن صراخي تحوّل إلى أنين مكتوم، لا يسمعه أحد، إلا أنا، تمنيت أن أركض تحت المطر ليغسلني واتخلص من كل همومي، لأعود كما كنت طفلة صغيرة تبكي وتضحك وتلهو وتطير في الهواء، مثل ريشة، أو «قطة» برية متمردة تنطلق في الحقول الخضراء.

بدأوا يفرضون علي الزواج، لأنهم يرفضون أن أعمل في المجال الإعلامي، وحين عرضت عليهم أن أصبح مذيعة تلفزيونية جن جنونهم، حاولت بكل الوسائل، أن أحقق الأمل الذي كاد يختنق بين أحضاني، لكنهم هددوني في حال استمراري بهذه الأحلام بقطع المصروف، ومنعي من إتمام دراستي.

في هذه الأثناء تقدم لخطبتي شاب وسيم، فقبلت بالارتباط به، واتفقت معه أن أعمل في المستقبل، بالتخصص الذي أدرسه، فوافق على طلبي، وعرفت السعادة طريقها إلى قلبي بعد سنوات من الجفاف، وأصبح فؤادي يقفز من صدري كلما شاهدته، يتراقص فرحاً ويحبو كطفل وليد، وشعرت أنه وسيلة الخلاص من قيود الأسرة، وتمنيت أن أتكور بين ذراعيه لأشعر بالدفء، كعصفور مبتل يهرب من أمطار الشتاء، لكن بعد الزواج اكتشفت أن اهتماماتنا مختلفة تماماً، لأنني لم التق به كثيراً أثناء فترة الخطوبة لأن الدراسة كانت تشغل كل وقتي.


 بعد الزواج اكتشفت أن زوجي مولع بالسيارات السريعة مثل «الفيراري» و«البورش»، يعطي كل وقته واهتمامه لسيارته، يغسلها ويجففها ويتفحصها باستمرار، والبقية الأخرى من وقته تذهب في التجول على غير هدى بسيارته في الشوارع المزدحمة، والانتظار أمام «المولات» لتبتسم له الفتيات المعجبات، بسيارته طبعًا.

بدأت احتج وأغار من تصرفاته الطائشة، واندلعت المشكلات بيننا، بدأ يطالبني بعدم ممارسة الأشياء التي أحبها، منعني من مراسلة إحدى المجلات، والذهاب إلى صالات السينما برفقة صديقاتي، وبدأ يشدد الخناق عليّ، بحجة أنه أعطاني مساحة من الحرية، ويهددني بأهلي، لأنهم  ضد هذه المهنة. أصبحت الصورة أكثر قتامة، لا لأنه منعني وإنما لأنه لا يوجد أي حوار بيننا، وبدأ يضغط عليّ كي أحمل، لأنه تزوج من أجل أن أنجب له أولاداً ، كما قال لي أكثر من مرة، وما بين رغباتي في أن أكون إعلامية ، ورغبات أهلي وزوجي في منعي، بدأ يتولد عندي إحساس بالإحباط،  وكبر السؤال داخلي، أين سأجد نفسي؟أسئلة كثيرة كانت تراودني.

هل استمر مع زوج لا يوجد بيني وبينه أي أرضية للحوار، ثم أتراجع، لأنني سأعود إلى أهلي الذين يتفقون معه في الرأي، هذا الوضع جعلني الجأ بعد التخرج،  لأدرس اختصاصا آخر يرضي الأهل والزوج، فسجلت في إحدي كليات التربية بجامعة خاصة، ثم أنجبت طفلة، لكن الحلم لايزال يؤرقني، في أن أعمل بالمجال الإعلامي.
 
لذا بدأت الدخول إلى مواقع الإنترنت محاولة التواصل مع الصحافة الإلكترونية، دون أن أخبره، وشاركت صديقتي في كتابة سيناريو أحد الأفلام التي تخرجها كمشروع جامعي، وكان السيناريو يدور حول قصتي، ورغم جمالية الأشياء التي أكتبها، إلا أن شعوري بالخوف في أن يعلم زوجي بدأ يكبر.

 فهل استمر، أم أتوقف، أم أخبره بأنني أحب هذا الخيار الذي لا يؤذ أحدا؟ لا أدري ما أفعله، لأنني بدأت أشعر بأننا مسيّرون ولسنا مخيّرين، وأن حريتي مقيدة، فخفت على طفلتي، وعلى بيتي الذي أحبه، فأنا الآن مشروع إعلامية ناجحة، لكن في مهب الريح. وبقي السؤال: كيف أمارس المهنة التي أحبها دون أن أفسد بيتي وما بنيته من حولي؟!