«آسيوروبي» الجنسية !

سامي الريامي

      
السؤال السريع الذي يرميه أي منا عند لقائه شخصاً للمرة الأولى، عقب السؤال عن الاسم طبعاً، هو: «من أين أنت؟»، وبطبيعة الحال كذلك يدخل السؤال عن «الجنسية» في كل التعاملات وكل الأوراق والمعاملات، وبالتالي فإن السؤال ذاته يدخل عند حدوث المشكلات أو الجرائم، حيث يتم تسجيل الاسم والجنسية والعمر.. الخلاصة أن السؤال عن الجنسية أصبح أمراً بديهياً يستخدم في كل زمان ومكان.

 

هذه المقدمة «البديهية» هي ذاتها التي قادتني إلى قضية أخرى ليست «بديهية»، وهي التحفظ على ذكر الجنسية في أخبار الحوادث والجرائم، لدرجة التوصل إلى صيغة جديدة غريبة ومضحكة نوعاً ما، حيث تحولت الجنسيات إلى أقاليم وقارات، فأصبحنا نسمع عن متهم «خليجي» الجنسية، وآخر «عربي» الجنسية، ثم ثالث «آسيوي» الجنسية، و«أوروبي» و«إفريقي»!!


ورغم الخطأ التاريخي والجغرافي في إطلاق هذه التسميات؛ لأنه لا توجد أصلاً جنسية «خليجية» أو «آسيوية»، فلا توجد دولة في الأمم المتحدة اسمها الخليج أو دولة اسمها آسيا، كما لا يخلو الموضوع من الطرفة، فالمواطن على سبيل المثال هو خليجي بطبيعة الحال والخليجي هو عربي وعدد كبير من الدول العربية يقع في آسيا، فهم بذلك آسيويون أيضاً. إذن من وضع هذه التقسيمات الغامضة؟ ولماذا هذا «اللف والدوران»؟!

 

دعونا نتساءل، هل ذكر جنسية مجرم في قضية ما يعني الإساءة إلى كل أفراد هذه الجنسية؟ إذا كان الجواب نعم، إذن من غير اللائق أن نسيء للفئة الكبرى حتى نتستر على الصغرى، بمعنى هل يحق لنا اللجوء إلى ذكر أن المتهم «عربي» ونضع جميع الدول العربية والعرب تحت «الاتهام» لنتحاشى ذكر اسم دولة واحدة؟ أما إذا كان الجواب لا، فلماذا إذن التحايل واللف والدوران والتعميم، خصوصاً أن الموضوع لا يتعدى كونه معلومة مثبتة في جريمة لا تسيء إلا إلى صاحبها؟!


مسألة بسيطة وواضحة، لكنها تعكس تذبذب الأفكار، وتعكس الحساسية المفرطة في التعامل مع أبسط الأمور، وتعكس التشدد في تفسير الأشياء، وإعطائها أكبر من حجمها الطبيعي بمئات المرات.


لا يوجد مجتمع دون جريمة، ولا توجد دولة دون مجرمين، ولا يوجد شعب على الأرض أفراده من الملائكة المعصومين، وبالتالي لا توجد إساءة لأي جنسية إذا تورط أحد أفرادها في جريمة ما، فـ «لا تزر وازرة وزر أخرى»، و«الناس مب كلهم واحد»، و«أصابع أيدينا ليست متساوية إطلاقاً»، و«من كان منكم بلا خطيئة فليلقمها بحجر».. أمثال وأقوال نرددها دائماً، لكننا حقيقة لم نؤمن يوماً بمعناها!!

 

أتمنى على الذي اخترع قصة «آسيوي» الجنسية أن يجد حلاً في دولة مثل «تركيا»، ماذا عساه أن يطلق على فرد من شعبها، «آسيوروبي» الجنسية، أو «أوروبي نص ونص» الجنسية؟ متاهة معقدة؛ لأننا تعودنا أن لا نسمي الأشياء بأسمائها إطلاقاً، وتعودنا على الابتعاد والغموض وتعويم الأمور وتعميمها!!    

reyami@emaratalyoum.com

طباعة