أقول لكم

  

كان مساء السبت مساءً عاديًا، مثل كل المساءات، شمس وشفق وظلام، وانغماس في تجهيز ما بين أيدينا استعدادًا لاجتماعات الجمعية العامة وانتخاب مجلس الإدارة في جمعية الصحافيين، أوراق تذهب وتجيء ، إلا ورقـة واحدة علقت في يد من حولي، ودمع يتجمّع في المآقي ، وتردد هادئ وكأن عاصفة آتية في الطريق، سحبت الورقة ، قرأت أسمًا وخبرًا، وخرجت «لا إله إلا الله» مدويـة، فجلسـت مكاني، وتذكرت صاحبي في آخر لقـاء لنا عند «الحسين» في القاهرة القديمة، يومها أضاع عصاه التي يتوكأ عليها في سيارة الأجرة، واشـترى بدلاً منها من «خان الخليلي» واحدة أخرى، قال إنها صديقتي، تتحمّل ثقلي، وتشد ظهري، ولا تشتكي مني، وفية لي حتى لو قصّرت معها وتركتها في لحظة إحساس بشباب جديد، وماض يريد أن يرجع.


«أبو ربيع» إذا تحدث أسر سـامعيه بعباراته الواضحة وطروحاته الصريحة. وقت الجد هو جاد حتى تظنه يدافع عن رأيه وكأن الحياة سـتتجمّد إن لم يفعل ذلك، وخارج الاجتماعات والمناقشـات الرسمية لا يمُـل ولو كان هو المتحدث الوحيد طوال الجلسة، شاب في الرابعة والسـبعين، هذا هو شـهاب التميمي نقيب الصحافيين في العراق، الصامد حتى في وجه رصاصات الغدر ، تمامًا كما صمد في وجه من كمّوا الأفواه، ومن يريدون أن يغسـلوا أدمغة شعب كان ولا يزال شـامخًا، وهو نفسـه الذي يرقد الآن في مسـتشفى   «ابـن سـينا» في بغـداد، نزعوا من كتفه رصاصة يوم أمس، ورصاصة أخرى سـحبوها من بين ثنايا رئته يوم أمس الأول، والثالثة أخذت بعض وجهه واسـتقرت في مكان بعيد.


نسيت كل ما كان أمامي، وما تركت الصدمة تأسرني، وتعاملت مع الحزن كما علمتني السـنون ، فهي خير معلم ومؤدب ، فلا أضيّع لحظة في حساب التوقعات، ولا أفسح مجالاً للحزن والأسى، بل أبحث عن طريق الوصول إلى الصديق الذي علمني كيف يكون الوفاء، أريد الاطمئنان على الأخ الأكبر الذي أحببناه في اتحاد الصحافيين العرب والاتحاد الدولي للصحافيين، كما لم نحب غيره لطيب معشره وثراء تجاربه، ولو كانت بغداد تسـتقبل ضيوفها كالسـابق، لكنت هناك في الليلة نفسها، ولكن الهاتف يختصر الوقت، ويهدئ النفس، ويخفف من الروع، هكذا كان حال الذين عرفوه وتبادلوا الاطمئنان عليه حتى الفجر، ومن لم يصل إلى هاتف في العراق وصل إلينا هنا، من المغرب وطرابلس والقاهرة والخرطوم وجنيف وباريس وبروكسل، وحتى من هنا كان السؤال وكانت المبادرة بتقديم كل ما يسـتدعيه الظرف العصيب.


توقفت عن همّ هنا لأحمل همّي هناك، وتداعت القوة في داخلي مع القوة التى ملكها «أبو ربيع»، يا سـبحان الله! حتى في هذه اللحظة الفالتة من كل الحسابات نتذكر ونتعلم منه كيف ينفض الغبار عن القلم، وكيف تكون الصحافة هي الكلمة الشريفه النزيهة والمخلصة، وكيف يكون التزييف والنكران والتسلق على حساب الصدق والأمانة والرجولة، وكيف تجازى مواقف الرجال من المسـتترين خلف أردية الظلام والقدر برصاصة. 
     

myousef_1@yahoo.com