ثقافة «الاعتدال» - الإمارات اليوم

ثقافة «الاعتدال»

    
زيادة أي شيء عن حدوده الطبيعية هي «تطرف»، وهذه الكلمة ليست مرتبطة بالدين أو المعتقدات فقط، ولكنها تشمل السلوك وأشياء أخرى كثيرة أيضًا، وبالطبع فنحن لسنا مع التطرف في كل شيء، ولسنا مع «التسيّب» الذي هو نقيض «التطرف»، وبالتالي فإن «الاعتدال» هو رديف للنجاح في كل مجالات الحياة.


أعجبتني جدًا تصريحات فؤاد شرف حول الإجراءات التي اتخذتها إدارة «مول الإمارات» لنشر ثقافة «الاعتدال» بين السيّاح الأجانب، ومحاولة ترسيخ القيم الخاصة بالمجتمع، من خلال توعيتهم بأهمّ الأفعال التي لا تلقى قبولاً لدى المواطنين والمسلمين.


اختيار «الكلمات» كان موفقًا للغاية، فاستخدام «الاعتدال» هنا لايغضب أحدًا، فالتطرف في السلوك مرفوض في كل مكان، والتطرف في كشف المستور من الجسم أيضًا غير مستحَب في جميع «مولات» العالم، وكذلك التطرف في التعبير عن «الحب» و«المشاعر الرومانسية الجياشة» لا يلقى استحسانًا في معظم الدول، خاصة أن المركز التجاري ليس المكان الأفضل للتعبير عن هذه المشاعر.


إدارة المركز تعاملت بشكل حضاري ولائق مع السيّاح، فاستخدمت نشرات التوعية والملصقات والتنبيه بأسلوب راقٍ، ومن أجل ذلك كانت ردة فعل السيّاح الأجانب إيجابية للغاية، حيث يبادر معظمهم بالاعتذار لعدم معرفته أن مثل هذه الأمور مرفوضة، والنتيجة أن الفكرة وصلت بأسلوب حضاري، فلاقت استحسان الأجانب والمواطنين معًا.


إذن الاعتدال هو المفتاح في كل شيء، ولربما اعتدال المركز أيضا في التعامل مع الظاهرة، كان هو السبب الرئيس في انخفاضها الى مستويات متدينة، حسب ما صرح به فؤاد شرف لـ«الإمارات اليوم» حيث قال: «انخفضت الشكاوى من ظاهرة التجاوزات بنسبة كبيرة، بل أصبحت معدومة في كثير من الأيام».


موقف السيّاح الأجانب من الالتزام بتعليمات «مول الامارات» ليس غريبًا على الإطلاق، والأجانب عمومًا هم أكثر الناس التزامًا بالقوانين في دولهم، وفي دول غيرهم، لكن شريطة أن يفهموا القانون، وأن يتم شرح التعليمات لهم، سواء من خلال الكتيّبات أو الملصقات. وفي الوقت ذاته فإن مواطني الإمارات هم أكثر شعوب المنطقة العربية تقبلاً للآخر، وأكثرهم قدرة على التعايش السلمي مع كل الجنسيات، خاصة إذا ما شعروا أن الغريب يكنّ لهم ولعاداتهم وتقاليدهم احترامًا كبيرًا؛ إذن كانت المشكلة فقط في التواصل الحضاري بين الزائر والمواطن، ومن هنا كانت خطوة «مول الإمارات» إيجابية للغاية،لأنها قاربت بين النفوس، فأصبح الزائر يحافظ على مشاعر المواطن، والمواطن يرحّب بقدوم السائح.

 

المشكلة كانت نفسية بحتة، فالبعض كان يعتقد أن للسيّاح قانونًا خاصًا بهم، أو أنهم قد «رفع القلم عنهم» فلا أحد يجرؤ على محاسبتهم، أو حتى إزعاجهم وهم «مندمجون» في عالمهم على مرأى الجميع ومسمعهم، في الوقت نفسه كان السيّاح يتصرفون بـ«عفوية» و«تلقائية» على اعتبار أن الرومانسية مقبولة بل محببة لديهم مجتمعيًا وقانونيًا، ولكن مجرد أن قرأوا التعليمات على مداخل المركز احترموا التعليمات ونفذوها، وهذا فقط ما كان ينقصنا.

reyami@emaratalyoum.com  

طباعة