تحية لأهل العريش

   
وقفت ملياً عند المثل العربي السائر: جوِّع كلبك يتبعك. واقتنعت بأن هذا المثل قد يكون له مضرب، لكن لا مورد له عند الأحرار الذين يفضلون الموت بالكرامة على العيش بالاستكانة، فإن هؤلاء ينطبق عليهم قول الشاعر العربي:


عِش عَزيزاً أَو مُت وَأَنتَ كَريمٌ       بَينَ طَعنِ القَنا وَخَفقِ البُنودِ
أو قول الآخر: لا تَسقِني ماءَ الحَياةِ بِذِلَّةٍ       بَل فَاِسقِني بِالعِزِّ كَأسَ الحَنظَلِ


وواقع الشعب الفلسطيني وأبناء غزة بالتحديد خير مثال على ذلك، فهاهي حوصرت ومنع عنها الوقود والكهرباء والغذاء والدواء، فهل ركعت لذلك الصلف الإسرائيلي الذي يقابل بصمت رهيب من العالم الذي يسمي نفسه: العالم الحر ، أو العالم المتحضر، حتى أنه لم يستطع أن يصدر بياناً رئاسياً بهيئاته الأممية ، يندد بما يجري للإنسان العربي - ولا نقول: المسلم العربي - لا لشيء إلا لأنه عربي  أولاً ومسلم ثانياً، وهما وصفان لا يستحق الموصوف  بهما الأمنَ والعيش الكريم ،وهكذا تكون المعايير لدى العالم المتحضر في عالمنا اليوم، وكأني بالشاعر العربي القائل:  


قتل امرئ في غابة     جريمة لا تغتفر   وقتل شعب كامل       مسألة فيها نظر


يمثل هذا الواقع المؤلم لمن كان له قلب أو حس مرهف! نعم فيها نظر لأنها تتعلق بأمتنا العربية والإسلامية، ولو أنها تتعلق بشعب شرقي أو غربي،أو أوروبي أو أميركي لكان وضعها فوق القانون الذي لا يحاسب فيه حتى المجرم على إجرامه ؛ لأنه يقدم الإجرام باسم تحرير الشعوب!!


ومع كل ذلك فهل يؤثر هذا الفعل في الروح العالية لدى العزيز في نفسه؟


 كلا والله إن ذلك لظن موهوم، } وإن الظن لا يغني من الحق شيئا{، وإنهم }إلا يظنون{، أو لا يعلمون  أن الحصار يجري على الأخيار فلا يزيدهم إلا صلابة على الاصطبار، وقد يجري على غيرهم فيرضخون للمطالب ويرضون من الغنيمة بالإياب.


لقد حاصرت قبائل قريش أبناء عمومتهم وعلى رأسهم سيد البشر صلى الله عليه وسلم ، وشددوا الحصار عليهم ، فماذا كان من وراء ذلك؟ كان وراءه فتح عظيم، أتاهم من حيث لا يحتسبون، من قوم لا تربطهم بهم عهود ولا مواثيق، نصر الله بهم نبيه والمؤمنين. وهذا ما حصل لأهل غزة مع أبناء العريش وسيناء وأبناء كنانة من مصر العربية عموما الذين مكنوا لإخوانهم الدخول إليهم ليقاسموهم الرغيف والماء والبيت والدواء على ما هم  عليه من قلة، غير أن الله تعالى بسبب كرم النفوس يبارك بالقليل؛ فطعام الاثنين كافٍ للثلاثة وطعام الثلاثة كافٍ للأربعة .


وأقول لأولئك المرابطين في بيت المقدس وأكنافها: لا تفسدوا رباطكم بسفك دمائكم في ما بينكم، «فلزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرىء مسلم» كما جاء في الحديث، فلا تعينوا عدوكم عليكم فإن ذلك يمهد له الطريق لاجتثاثكم  واستحلال بيضتكم}أليس منكم رجل رشيد{؟ أوما سمعتم حكيم العرب يقول: 


تأبى العصِي إذا اجتمعن تكسراً           وإذا افترقن تكسرت آحادا


فاستفيدوا منه إن لم تتمثلوا أمر ربكم وتخشوا عقابه، فإنه سبحانه بالمرصاد لا تخفى عليه خافية، مهما حاول كل منكم أن يتصل من المسؤولية ويلقي باللا ئمة على غيره.  والله يقول الحق وهو يهدي السبيل..